adv

Hazooma blog in other languages

مذكرات د : مصطفى محمود " قول أخير فى السادات: بطل حقيقى وزعيم شجاع " ( الحلقة السادسة عشر )

■ عندما يتعلق الأمر بما يسمى الأمن القومى يجب أن نعطى العيش لخبازه.

■ استطاع السادات- للأسف- تكوين أمن قومى خارجى، وفى سبيل ذلك أهدر مساحة كبيرة من الأمن الداخلى.

■ كان يتمنى أن يشعر بالأمان بعد أربعين سنة مؤامرات.

■ آمن بأن الجيش وطلبة الجامعة أبناؤه.

■ مارس السياسة طالبا وعسكريا وثورجيا ورئيسا ولاعب الجميع على الحبال.

■ لاعب إسرائيل على الحبال وجابها «أكتاف» واستطاع أن يخدعهم.

■ عرف العالم من خلاله مكانة مصر .

مصطفى محمود

مشكلة قابلتنا معه.. يمتلك ملايين الأفكار.. بحار علم.. طوابير ذكريات.. ومع ذلك خجول إلى أبعد الحدود.. خجول فى التحدث عن نفسه خصوصا فى الفترة التى جمعته فيها صداقة بالرئيس السادات والتى قال عنها الجميع إنها العصر الذهبى لمصطفى محمود.. وهما من أكثر الشخصيات التى أثارت الجدل فى مصر الحديثة.. مصطفى محمود بأفكاره العلمية الدينية وشطحاته المعرفية الأدبية، والرئيس السادات بشطحاته السياسية العسكرية.. الدكتور مصطفى محمود يقول كلمة الحق فى وجه الشخص وفى حضوره لا يتوارى خلف جدار أو ستار.. رغم كل ما سببه ذلك له من معاناة لسنوات.. ولكنه يرى أن التاريخ يكتب دون صدق.. الجميع ينسب لنفسه الفضل.. ويقول عن أهواء.. وأهداف خاصة.. الكل يرى نفسه الصانع الحقيقى..

لذلك لم يرغب كثيرا فى التحدث عن السياسة التى عاصرها وأثر فيها.. تكلم عن السياسة عندما كان مستهدفاً.. لكنه لا يرغب فى التحدث عن السياسة بعد أن تبوأ مكانة مرموقة فى المجتمع وجمع ألقاباً عدة مثل: رجل العلم والإيمان وفيلسوف الشرق.. لم يرد أن يذكر مثلا فى الحديث أن رؤساء الدول العربية ناشدوه أن يقطن عندهم ويعلم أبناءهم وشعوبهم.. بل يعلم علماءهم!! لم يرد أن يذكر الكم الهائل من الإغراءات التى لاحقته بأن تقام له برامج ودور نشر ويحصل على ملايين من العملات المختلفة، وذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما.

.. وأراد أن ينهى الكلام عن السادات وعلاقتهما الشهيرة فقال: لا تأخذوا عنى رأيى فيه لأنى أخبرتكم المرة السابقة بأنى أحببته بحق.. ومثلما رفضت الرئيس السابق أيدته وأعلنتها.. رأيى سيكون منحازاً بالكامل.. هل تعلمون أنى فى ثورة التصحيح كتبت أنها خطوة لا تخرج إلا من شخصية مثل السادات؟.. فمن كان سيتعامل مع إضراب مراكز القوى بمثل هذا الدهاء؟!..

دهاء السياسى المحنك.. ثورة التصحيح خطواته فيها مثلها مثل خطواته التى وصل بها للحكم بالضبط.. وأنا أخبرتكم عنها بالتفصيل، وكيف أن السادات، وهو أشهر رجال الثورة قبل حركة يوليو، وجد أن الصراعات الداخلية بين رجالها قد وصلت لذروتها حتى إنها فرقت بين أعظم صديقين بينهم ناصر وعامر.. وكيف أخذ حقه بالابتعاد عن ميدان الصراعات تماما.. فقد رأى أن المباراة مكتفية العدد، والنتيجة الحتمية لكل من شارك فيها هى الخسارة.. الخسارة التى ستلحق أيضا بالحكم والمشاهدين..

وتوصل إلى أن الحل والموقف الأمثل هو عدم الخوض فيها والعمل بجد على تدعيم الثورة وتحقيق أهدافها بقدر استطاعته وهو فى منصبه- والذى لم يسع لأعلى منه- وفى جريدة «الجمهورية» على طول الخط، فكان غريباً جدا أن يحصل كل أعضاء مجلس قيادة الثورة وغير القياديين من ضباط الثورة على المناصب الرفيعة والقيادية والسياسية فى الدولة ويرتضى السادات منصبه المهمش فى جريدة الجمهورية، رغم كل ما كان يؤكده عبدالناصر من أنه منصب مهم وخطير، فـ«الجمهورية» هى لسان حال الثورة والمعبرة عنها، ومن يديرها يحتل منصباً خطيراً،

ولكن كان السادات يملك ذكاء يؤهله للخضوع للأوامر التى كان يريدها عبدالناصر يعرف بالضبط بعد أن تخلص من أعدائه من «الأسرة العلوية والإنجليز» من أعدائه الجدد الذين أغرتهم السلطة وأسرهم حب القيادة.. ففطن السادات إلى قواعد اللعبة الجديدة التى يطرحها ناصر ووافق على أن يخوضها بذكاء وليس بغباء مثلما فعل الآخرون، وكان تعبيره عن الرضا بإدارة جريدة الجمهورية هو ما أثار إعجاب عبدالناصر..

وكان كل يوم يزداد إعجابه بولاء السادات وخضوعه «الذى يفهم اللعبة كما قلت» فأراد أن يكافئه فاختاره ليكون الرجل الثانى فى الدولة فى وقت كان عبدالناصر أطاح بكل من حوله من المعارضين لسياسته الفردية وكانت سياسة السادات هى نفسها ما سعى إليها مع مراكز القوى التى ظنت أنها فى عهد عبدالناصر كانت مراكز قوى.. وستظل فى عصر السادات كذلك، ولكن اتضح لهم أنهم فى عهد السادات مراكز توحش، فمارس معهم نفس سياسته ونجح فعلا فيما أراد وتحقق مراده.. وأنتم تعرفون الباقى..

وعندما كتبت أنها خطوة لا تخرج إلا من رجل كالسادات قرأها وفى أول اتصال بيننا بعد هذا المقال أيدته على هذه الخطوة، وعلى قبوله لهذه الاستقالات الجماعية.. بالمناسبة أنا لم أعتد الكلام معه فى تفاصيل قراراته.. أحيانا كانت هناك تساؤلات تلح علىّ ولا أريد أن أشغله بتفاصيلها.. «يغوص مصطفى محمود فى موجة من الضحك»

ويقول: لأننا أحيانا كان يشغل جزءاً كبيراً من جلساتنا الكلام فى الأمور الصوفية والأضرحة وكيف يعمل على تطوير ضريح السيد البدوى بطنطا وهو مشغول بأمور عسكرية وسياسية على الصعيدين المحلى والدولى، وكان يفاجئنى بثقافته الكبيرة والواسعة فى مجال قراءته لكبار الصوفية مثل ابن عربى والحلاج وعفيف الدين التلمسانى والإمام الغزالى وكيف أن مناجاة الإمام النفرى لربه كانت تؤثر فيه حين يقرؤها.

ولأنه يختلف عمن سبقوه سواء الملوك أو الرؤساء فأحيانا كان يلح على «السادات» خاطر أن يخرج بسيارته دون موكب وهو ما كان يعترضه طاقم حراسته.. فكان يحتال عليهم ويخرج بسيارة صغيرة مصرية الصنع.. وكان يحب أن يجلس على «مقاهى» على الأطراف بحيث لا يعرفه أحد، وأذكر هنا موقفاً حدث لنا فى قريته بميت أبوالكوم،

ولأنه لا يذهب إلى أى مكان إلا بحراسة مشددة فإنه ذات يوم ارتدى الجلباب البلدى وأمسك بعصاه، وخرجنا نتجول بعد صلاة العشاء بأحد الحقول المجاورة للمنزل، فأخذنا الحديث أثناء السير ولم ننتبه إلا ونحن على مسافة حوالى ساعة ونصف الساعة من البيت وما كان منه إلا أنه عاد فى نفس الطريق مشياً على الأقدام،

وما إن اقتربنا من المنزل حتى تنبه أحد «الغفر» بأن هناك خطوات أقدام تقترب من البيت داخل الحقل من الخلف وكان الظلام دامساً، فقام برفع السلاح وهرول إلى مكان الصوت ورفّعه وقال له: قول إنتا مين يا إما هطخك بالنار، فضحك الرئيس السادات فردد «الغفير» ما قاله مرة ثانية فقال له الرئيس السادات «أنا محمد أنور السادات» فارتبك الغفير وارتمى يقبل يده حتى يسامحه، فضحك الرئيس السادات بشدة وهو يمنعه من أن يفعل ذلك وهدّأ من روعه وكافأه على ذلك.

وتنهد مصطفى محمود تنهيدة طويلة وقال: لأن السادات كان يقدر الفكر فأراد أن أنشر كتاب «الله والإنسان» مرة أخرى.. وقال لى بضحك «ماتخافش مش هاكفرك.. وهاوصى المشايخ عليك».. ولكنى كنت فى ذلك الوقت قد غيرت بعض أفكاره.. فرفضت وقمت بنشر كتابى (حوار مع صديقى الملحد).. أحيانا كان يتناقش معى فى كتاباتى- كان يوفر من وقته أى جزء من يومه ليقرأ وأحيانا يكتب- ولكن أعظم حدث فى حياتى ارتبط السادات به هو برنامج «العلم والإيمان»..

كان مولد البرنامج بتشجيع منه، خططت لمشروعى الكبير وأزهقت فى التخطيط له آلاف الساعات وأردت أن أبدأه.. كان السادات يزهو كثيرا بلقب رئيس دولة العلم والإيمان- الذى أطلقته عليه- فأراد أن يكون هناك شاهد حى على دولته وعصره.. وكانت للبرنامج الذى التفت حوله الأسر العربية جميعا طوال أربعين عاما، قصة ملحمية نرويها فى الحلقات التالية.

لم نكن نرضى أن نأخذ شهادة فيلسوف الشرق، الدكتور مصطفى محمود عن عصر السادات- صديقه المقرب- دون أن نسأله عن عدة نقاط لم يفسرها التاريخ وظلت مبهمة.. سألناه عن الشيخ الذهبى.. فقال: فى بداية إنشائى مسجد وجمعية محمود الخيرية الإسلامية كنت أدعو بعض المشايخ ليخطبوا فى المسجد.. كانت شوارع ميدان مصطفى محمود فارغة فى البداية، وكان المسجد يمتلئ ويصلى الناس أمام فى تجمع هائل.. أحيانا كان الخطيب من أمثال الراحل الشيخ كشك، الذى دعوته أيضا لإلقاء خطبة فى المسجد لمرة واحدة فقط.. وهو ما كان يدفع الأمن إلى محاصرة المسجد- كالعادة- وفى أحيان كثيرة كان الخطيب الشيخ الذهبى، وزير الأوقاف، واغتيل الشيخ الذهبى..

وكانت صاعقة لاجتماع كل الجهات عليه، بين يوم وليلة ذهب الذهبى- رحمه الله- وهو ما دفعنى إلى التساؤل كثيرا.. من قتله؟؟ واكتشفت أنى لست وحدى من يبحث عن إجابة.. وانتظرت طويلا حتى حانت الفرصة لأسأل الرئيس: ما حل اللغز؟.. وما صدق الروايات التى قيلت على لسان ابنته أن من اختطفوه كانوا من أمن الدولة؟..

وانتظرت متسائلاً فى نفسى: ألا يرغب رئيس الدولة فى اختراق الموضوع؟ لكنه قال بحزم: يا مصطفى الشيخ الذهبى كان راجل الدولة.. وكان شيخ الناس.. «أنا كنت باحبه يا مصطفى.. أقولك على حاجة.. إنت عارف أنا ليه ما عدتش بحب العيال بتوع الجماعات دول.. عشان هما قتلوا الشيخ الذهبى- الله يرحمه».

وسألناه أيضا عن موقفه من معاهدة السلام مع إسرائيل.. فأطرق برأسه إلى الأرض وصمت.. صمت كثيراً.. واحترمنا صمته.. وأخيرا أجاب بجملة واحدة: موقفى تجاه أهل صهيون واضح.. وما قلته للسادات فى ذلك الأمر بالرغم من أن السلام مع إسرائيل خطوة لا يستطيع أحد أن يقدم عليها غيرك وأعلم أن هؤلاء الإسرائيليين لا يوفون بوعد أو عهد ولكن هذه خطوة تحسد عليها ووفقك الله فى نواياك.

وقال أيضا مصطفى محمود وهو يلوح بكلتا يديه: الرئيس السادات شهد عصره أيضا فترة الفتن الطائفية، وحدثت أيامه أحداث الزاوية الحمراء.. وتلاحظون أننى فى هذه الأيام خرجت من هذه الضوضاء.. فلكى تتفرغ للعلم والإيمان سواء كان البرنامج أو الحياة.. ستجد أن تفاصيل الحياة تسقط منك.. الحقيقة تقال هنا أنا كنت مستشار الرئيس الصديق، بمعنى أنى كاتم أسراره..

والجميع أخذ على «السادات» لماذا أجّل مواجهة أئمة وأمراء الجماعات الإسلامية التى نشطت إبان أزمة الزاوية.. ولكنى تعلمت من الرئيس هنا درساً لا ينسى، تعلمت أنه عندما يتعلق الأمر بما يسمى الأمن القومى يجب أن نعطى العيش لخبازه.. والسادات كان داهية- بحق- مارس السياسة طالبا وعسكريا وثورجيا ورئيسا، لعّب الكل على الحبال.. لاعب إسرائيل على الحبال «وجابها أكتاف».. ضحك عليهم وعرف العالم مكانة جزمة مصر على رقبة مين، والولايات المتحدة اللى كانت متأخرة على النظام السابق وبتترسم عليه.. مش هم اللى فتحوا أحضانهم للسادات وخلوه أعظم رجل فى العالم وتصدرت صوره بزى الجنرالات صفحات «التايمز» الأمريكية، ونيكسون قال إن السادات رجل القرن، وجولدا مائير قالت «السادات ثعلب العرب»..

هذا هو السادات.. بيلعب على جميع الجهات اللى فى العالم، ولعب بأسلوبه.. يعنى ضرب.. وعوّر.. واترمى ع الأرض ورفع إيده على عينه وعيّط.. والعالم صعب عليهم السادات وأعطوا لإسرائيل مهلة لغاية ٢٥ أبريل عشان تنسحب من سيناء كلها.. يقوم العيال بتوع الزاوية دول يولعوها.. السادات قالى لو واجهتهم دلوقتى إسرائيل هاتتأكد إن الأمن القومى من الداخل مش موزون وستتراجع عن الانسحاب.. وهو ده اللى أنا كنت خايف منه.

السادات طلع عبقرى أمن قومى.. لكن للأسف أمن قومى خارجى، يعنى عرف يحمى مصر من الخارج، بس عشان يوصل لكده ضحى بمساحة من الأمن الداخى للبلد، وكان يتمنى أن يشعر بالأمان بعد أربعين سنة مؤامرات.. وكان الجيش وطلبة الجامعة أبناءه.. وكان هو كبير البيت أو العيلة زى ماكان بيقول بجد، وزى ما قلنا قبل كده إن السبب فى انهيار صورة السادات كان مجموعة صحفيين من المقربين له.. لأنه لم يكن مركزاً مع الداخل مثل الخارج.

وعن البابا شنودة- صديق الدكتور مصطفى محمود- وخصم الرئيس السادات.. قال البابا شنودة صديق وأخ، والسادات صديقى الأقرب، لكن المشكلة أنى من داخل الأحداث أؤكد أن الاثنين موغور صدرهما بمعنى أن الرئيس كان فى جلسة غداء يوم الجمعة الشهير الذى يقابل فيه بعد صلاة الجمعة فى ميت أبوالكوم طوب الأرض، ولكن كان يغضب بشدة ويثور حينما يسمع اسم البابا شنودة الذى كان بدوره غاضباً بشدة من أخبار كاذبة تصله من مطرانيات الجنوب حول بعض الضغوط على مسيحيين فى الأقاليم فكان الموضوع «عناد مش أكتر»..

على الرغم من أن معظم القضايا التى تظهر تحت مسمى فتنة طائفية بتكون مواضيع صغيرة وبسيطة وممكن هايفة.. ولكن تسيس.. يعنى مثلا بنت مسيحية وقعت فى حب ولد مسلم وأهلهم اكتشفوا هذا الحب يرفضوا هذه العلاقة ويسخنوا الموضوع عشان يمنعوا الحاجات دى تحصل.. وهكذا.

وأراد الطبيب العالم الأديب الفيلسوف مصطفى محمود أن ينهى حديثه عن السادات.. لكننا لم نكن نرضى إلا بالكشف عن شىء جديد فى أحداث المنصة.. وكانت النتيجة مدهشة فعلا.. تكلم بضحك وسخرية وصوت مخنوق أقرب للبكاء.. ضحك لأنه كشف عن شىء جديد كنا أول مرة نسمع عنه هو أن السادات دائم التعرض لمحاولات الاغتيال من قبل حادث المنصة..

فمن المرات المضحكة التى رواها أن الرئيس تعرض لمحاولة اغتيال تورطت فيها دولة عربية عن طريق قناص محترف بواسطة بندقية تليسكوب مقرب، وقد أحبطت هذه العملية القذرة من دولة عربية شقيقة.. المضحك فى الأمر أن هذه العملية كان اسمها (جون كيندى).. وقد جرت محاولة أخرى لاغتيال الرئيس فى أحد المؤتمرات بالنمسا.. ومحاولة غيرها قام بها رجل مخابرات عراقى عن طريق رشوة سائق السادات الخاص، وكلها أحبطت بنجاح الأجهزه الأمنية، لأن الوضع- كما قيل- أن السادات كان «مركِّز قوى» مع الجبهات الخارجية..

بينما كان مطمئناً، شيئا ما، إلى الجبهة الداخلية التى كان يعتبرها مجرد تمرد أبناء على أب حريص دائما على تقديم المصلحة لأبنائه الذين لا يدركون تلك المصلحة.

مذكرات د : مصطفى محمود " أيامى مع السادات " ( الحلقة الرابعة عشر )

■ ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذى يتعبه تحت الشمس.

■ كل الأنهار تجرى إلى البحر والبحر لا يملأ.

■ كل الكلام يعجز لا يستطيع الإنسان أن يعبر عن الكسل.

■ العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع، والاختلافات الفكرية والسياسية لا تنتهى، والسجون مهما مر الزمن فلن تمتلئ، وضحايا الظلم فى كل مكان، والفراعنة هم فى الأساس من صنع البشر.

■ ولكن الحقيقة أن كل تعب الإنسان إلى بطنه يذهب وهى لا تشبع، فالذهاب إلى مأتم خير من الذهاب إلى وليمة زفاف، لأنه خير تذكير للإنسان بالنهاية ليضعها أمام عينه ويغلق عليها قلبه «المتقلب».

مصطفى محمود

«لم تكن عدالة الحكام فى كل زمان ومكان دائما تؤدى إلى العدل الكامل.. أو الرفاهية الممتعة.. أو رفع الظلم عن المظاليم.. وكما كان ظلمهم فى أحيان كثيرة يرضى طبقة المنتفعين.. كان يغضب الفقراء والمحتاجين» هكذا تحدث مصطفى محمود.

بدأ المفكر الراحل فى الحديث عن الرئيس السادات حاول فى البداية أن يتحدث عن عصره وكأنه شاهد من الخارج. تحدث بلغة المراقبين الراصدين لأحوال الوطن من مكاتبهم.. ولكننا لم نرض بذلك بالطبع.

كيف تتحدث بحياد عن عصر كنت أنت أحد صناعه ورواده؟ كيف تتحدث عن منزلك مثل زائر عابر، الجميع يعرف أن عصر السادات كان عصر مصطفى محمود.. ويطلقونها مدوية أمامك ومن وراء ظهرك.. والجميع يعرف أيضا أن العلاقة الوطيدة بينك وبين السادات ممتدة قبل حتى أن يكون رئيسا.. فقال مررت بمراحل عمرية كثيرة داخل جسد هذا الوطن شاهدت خلالها ملوكاً ورؤساء رحب بهم الشعب ورؤساء قفزوا على المقعد وآخرين وصلوا بمجهودهم وآخرين بالصدفة البحتة..

أما أكثر ما أثر فى بعد ثورة «٢٣ يوليو» أنها طوت تماما عهد ما قبل الثورة وكأنه لم يكن، فمن منا يتذكر المطربين أو السياسيين؟ قبل الثورة كانوا بالآلاف وبعد الثورة لم يظهر على الساحة غير نسبة بسيطة منهم تعد على الأصابع وهم الذى أراد رجال الثورة إظهارهم فالثورة هى ذاتها مسحت بعض أسمائها، فعندما خرجت علينا بين يوم وليلة كان زعيمها القائد الطيب رقيق القلب محمد نجيب، ثم فوجئنا بتحديد إقامته ويحصل على اللقب بعد ذلك عبدالناصر ويطبق الاشتراكية وما حدث بعد ذلك نعرفه جميعا وهو العصر الذى انتهى بنكسة ٦٧..

وبعد رحيل عبدالناصر انتصب كيان كبير اسمه محمد أنور السادات ذلك الرجل صاحب التاريخ السياسى الكبير، الذى كان اسمه أبرز أسماء الضباط الأحرار، فقبل الثورة كان يعمل بالسياسة واتهم فى قضية اغتيال أمين باشا عثمان وخرج منها براءة بعد محاكمات دامت شهوراً طويلة كان يتابعها الشعب المصرى بشغف شديد،

ثم بعد ذلك فصل من الجيش بتهمة التخابر مع الألمان ضد الإنجليز «بريطانيا» التى كانت تحتل مصر آنذاك، وكان مثقفاً فى شتى المجالات وكتب أيام هروبه من السجن فى حلقات مسلسلة نشرت فى دار الهلال، فكان للرجل تاريخ مشرف وكان من الطبيعى بعد قيام الثورة أن يتم تحجيم دوره من قبل مجموعة الضباط الأحرار الآخرين خاصة أنهم غير معروفين بالمرة والحقيقة أن السادات كان صاحب عقلية عبقرية ولكن لم يظهر الكثير من مهاراته فى عهد عبدالناصر، بل ابتعد عن مجال الصراعات التى كانت تدور على الرئاسة لأنه كما قلت كان عبقرياً وكان يقرأ الواقع..

وعلم تماما أن الدخول فى هذه الصراعات سيجعله واحداً من الأرقام الموجودة حول ناصر والتى يحذفها واحداً وراء الآخر بجرة «استيكة» مخابراتية.. كان طموح السادات أكبر من أن يكون مجرد رقم حول ناصر.. كان يريد أن يكون مختلفاً أحاط نفسه بهالة الهدوء- رغم أنه غير هادئ بالمرة- ودخل فى إطار المثقفين وابتعد عن حياة العسكر ودوشتهم.. وهو ما لفت أنظار ناصر إليه بشده.. هل تفهمون ما أقصد؟..

«الجيم» هنا كان لعبة قط وفار، ولكنك لا ولن تصل أبدا لمن هو القط ومن منهما الآخر.. رئيس متحاوط بقيادات عسكرية حازمة تقود الجيش والاقتصاد والمخابرات والصحافة والإعلام والمحافظات وكلهم فيما بينهم يجمعهم هدف واحد، الاستحواذ على قدر من السلطة أكبر مما يحوذ.. ويضع كل منهم سيناريو لمنصبه الرفيع فى السنوات المقبلة لاسيما بعد عهد عبدالناصر..

وفى الوقت نفسه ناصر الذى يراقبهم واحدا واحدا بتركيز ويعرف تماما باستخباراته الخاصة المتشعبة خطط الجميع، كان يلاحظ السادات أبرزهم جميعا قبل الثورة وأكثرهم خبرة فى المجال الأمنى والعسكرى، يأخذ جانبا من هذه الصراعات ولا يسعى لأى منصب أكثر من منصبه وبالإضافة لكل ذلك يؤيد الثورة على طول الخط لا يؤيد جمال فقط، بل إنه فى معظم مقالاته فى الجمهورية التى رأس تحريرها يؤيد الثورة ومبادئها..

هل ضرب جمال كل رجال الثورة وقياداتها على مؤخرات أعناقهم عندما اختار السادات نائبا له؟ أم أن السادات هو الذى قام بتلك الضربة بتخطيطه الطويل الهادئ؟ ده السادات.. منوفى.. أنا بالفعل آمنت بهذا الرجل.. آمنت به.. واختلفت معه.. وأيدته ثم رفضت طلبات له.. وتقبلت ثورته بهدوء.. وأقنعته برأيى.. وحصلت منه على ما أريد. و.. و.. ده السادات.. كنت أحب السادات جدا وأتذكر أنه قبل رئاسته للجمهورية اتصل بى تليفونيا ليهنئنى على كتابى «القرآن» محاولة لفهم عصرى وقال لى كتاباتك الأخيرة كانت متميزة يا مصطفى وقال لى أريدك أن تزورنى فقلت له سأحضر إليك فى المكتب قال لا مكتب إيه يا مصطفى تعالالى فى الفيلا انت مش غريب وبالفعل زرته فى فيلته بالهرم وعرفت من يومها أن السادات ابن بلد وجدع ويتمتع بكرم الفلاحين..

وناقشنى فى الكتاب وداعبنى بسؤاله وانت شكاك عامل مشاكل بكتبك- يقصد كتاب الله والإنسان وما أثاره من جدل فى الخمسينيات- وبعد وصولك لليقين بقيت منبر كبير للإيمان وعامل مشاكل بردك.. هو انت إيه، وضحكنا كثيرا يومها.. وسألنى لماذا تهاجمك بنت الشاطئ بهذه القوة.. وكيف ستخرج من هذه الأزمة وأجبته: عائشة عبدالرحمن.. كاتبة قديرة لكنها تأخذ كل شىء بعاطفتها.. حضرتك تعرف تماما أن أنا وعائشة كنا مقربين تماما لكن أزمة كتابى الأخير (القرآن.. محاولة لفهم عصرى) الذى كان عبارة عن مجهود منى واجتهاد كما قال الرسول (ص) واللى المفروض آخد عليه إما ثواباً أو ثوابين ولا أقابل بهذه الحرب الضروس التى أعلنتها على بنت الشاطئ..

وتأكدت فى ذلك اليوم مما يقال عنه من أنه إنسان ظريف للغاية ويتمتع بروح الدعابة.. وانتهت الزيارة بإيمان منى وارتياح واقتناع منه. وواظبنا على المكالمات الهاتفية.. وعندما علمت بأنه تولى منصب نائب الرئيس اتصلت به وهنأته فقال لا ماينفعش فى التليفون يا درش لازم تزورنى انت وحشتنى.. وذهبت وأنا أحمل بعض التحفظات فى الكلام والهمسات والحركات فأنا اليوم فى حضرة السادات رئيس الجمهورية وليس المسؤول الكبير كما فى السابق فوجدته يقول لى..

مالك يا درش إنت قاعد متكتف كده ليه.. فك وخد راحتك فقلت له مايصحش يا ريس فضحك وكالعادة تكلمنا عما أكتبه وقضايا أثيرها بكتاباتى وداعبنى فى ذلك اليوم قائلا، وهو يضحك بشدة أنا شاهدت لك برنامجا، وحين سألتك المذيعة عن صوت سعاد حسنى قلت إن صوتها منعش إيه قصدك يا درش؟

واستغرقنا فى الضحكات، وقلت والله قصدى خير.. كانت هذه المقابلة مثل غيرها لكن زاد عليها أنه كلمنى لأول مرة عما يشغله هو عن مشاكله التى زادت بعد الموقع الجديد الذى احتله.. كلمنى عن حملة السخرية التى تعرض لها ونظرات العداء، التى قابله بها زملاء حركة يوليو بعد أن ترك كل مناصب الجيش ومناصب الدولة الأمنية دون طمع منه فى منصب أحد منهم..

وقال لى إن ما حصل عليه نتيجة عمل دائم وانشغال بقضايا تهم البلد وأبناءها لمدة أربعين عاما.. أحسست فى تلك الجلسة بأن السادات يستشف منى شيئا آخر.. هو يختبر مدى قرب أفكارنا.. عقلية السادات مع عقلية مصطفى محمود.. أحسست أن المقابلة هى بداية لشىء ما.. شىء جديد على، وأنا الذى أتعرض للحرب من السلطة منذ عشرين عاما أجد نفسى محط اهتمام غير عادى من أهم رجل فى الدولة.. هنا أريد أن أسجل تلك الملاحظة.. لأنها لحظة فارقة.. عندما تفتح أمام العالم أبواب السلطان.. كيف سيتصرف هل يطوى نفسه تحت جناحه؟

هل يثبت على موقفه؟ وكيف ستكون العلاقة بينهما؟ أى هل العلاقة ستكون بين حاكم ومحكوم أم بين صديقين من حقهما أن يتناقشا بحرية.. يختلفا.. ويتخاصما.. هذا الأمر شغلنى كثيراً، ويجب أن يشغل عقل كل مفكر أو عالم يقترب من السلطه أو تقترب هى منه.. أنا بالفعل معجب بالسادات.. مقتنع به تماما منذ البداية.. وزادت سعادتى عندما تولى منصب الرئاسة وتيقنت أن مصر مقبلة على عصر آخر.. أردت أن أبارك له، ولكنى وجدت تليفونه مشغولاً دائما، ولم أستطع أن أكلمه وانشغلت فى كتبى، وبعد قليل فوجئت بتليفون منه وطلب مقابلتى..

وحددنا موعداً وقبل الموعد بقليل فوجئت بسائق الرئيس عندى فى البيت، ويسألنى إن كنت مستعدا للذهاب.. وذهبت ألبى دعوته لى وبمجرد أن شاهدنى أخذنى فى أحضانه وعرفنى على من لا أعرفهم من الموجودين، وكان أبرز الحضور.. عثمان أحمد عثمان.. وأنيس منصور.. وممكن أن تقول إن الجميع فوجئ بحضورى يتقدمنى مساعدا الرئيس فى هذه المناسبة وفى هذه اللحظة وهذا اليوم بالذات واندهشت أنى حضرت فى نهاية الجلسة..

ولكنى أحسست بأنه يريد أن نجلس معا وحدنا وطبعا كان الأمر متبادلاً. وبمجرد انفرادى به طلب منى أن أستمع إلى كلامه جيدا.. وأخبرنى بأنه يريد أن يجعل الثقافة المصرية قريبة من النظام الأمريكى الذى يعجبه كثيرا.. لذلك طلب منى أن أكون معه فى إنشاء مجلس مستشارين مثل مجلس المستشارين الأمريكى، وقال لى أيضا أنت يا مصطفى إنسان مفكر وخلفيتك الثقافية والعلمية رائعة وأنا من أشد المعجبين بيك، وعايز الولاد فى المدارس يفكروا زيك..

حتى لو درسنالهم كتبك فى المدارس.. ضحكت أمامه وقلتله بلاش يا ريس.. عشان ماحدش يطلع ويقول إنك هاتبوظ العيال فى المدارس.. لم يضحك.. ووجدته يقول فى جدية: أنا محتاج لك يا مصطفى فقلت له على الفور طلباتك أوامر يا ريس فوجئت به يعرض على أكثر من وزارة (الثقافة أو الأوقاف) ولكن لم يكن من ضمنها منصب وزير الصحة أو وزير الإعلام كما شاع فى وقتها..

ويبدو أنه لاحظ التردد فى عينىّ فأكمل الحديث فى مواضيع عادية وعند الانصراف قال لى «هانتكلم قريب يا مصطفى بس جهز نفسك عشان شغلك الجديد».. ضحكت معه وغادرت وظللت طوال الأيام التالية مشغولا بكلامه وعرضه المغرى هذا.. أنا مصطفى محمود.. مش عارف عن نفسى غير راجل بيعرف يقرأ ويكتب.. أشغل نفسى فى المرصد وأفكر فى كواكب الفضاء.. ألعب بالميكروسكوب وأشغل نفسى بالبروتون والنواة.. أشرّح نباتاً أو حيواناً وأقارنهما بتركيب الإنسان.. أحضر جلسة صوفية..

أقرأ جزءى قرآن وتفسيرهما.. لكن أن أكون وزيرا.. أنا أعانى من عشرين سنة من السلطة ورخامتها وتسلطها.. فجأة كده أدخل اللعبة.. لو فى بلدنا دى وزير الثقافة بيكون مثقف فعلا.. ووزير الصحة بيكون عالم فى الطب ووزير الرياضة بيكون بطل وخبير رياضى لا يشق له غبار كنت أقول ماشى.. لأنى هاكون فى عملى وأنا مستمر فى ممارسة طقوسى واهتماماتى..

لكن الحقيقة معروفة «الجيم عندنا فى مصر مش نضيف».. المسؤول، أى مسؤول ما يصدق يمسك فى مكانه وينسى نفسه وشغله وأحلامه القديمة النضيفة.. ويرمى مبادئه على الباب وهو داخل ويركز فى شىء واحد إزاى يتبت فى الكرسى بتاعه.. وأخدت قرارى داخل نفسى أننى لا أصلح لهذا المنصب وهو أيضا لا يصلح لطبيعتى..

وكأن السادات حس بيه.. الله يرحمه كان فاكر إنى متعقد من الوزارات فاتصل بى بعد يومين، وقال يومها أريدك أن تكون رئيسا لمجلس إدارة دار الهلال بالإضافة إلى كونك مستشارا لى وبالطبع وجدت نفسى فى حرج بالغ من كل هذه الثقة الزائدة فى، ومن كل هذه المناصب التى هبطت علىّ من السماء، وقلت له «أنا يا ريس بكل صراحة فشلت فى إدارة أصغر وحدة فى المجتمع، وهى زواجى فكيف تتصور أننى يمكن أن أنجح فى إدارة مؤسسة كاملة تحوى آلافاً من الموظفين، والأدهى أن أتحمل مسؤوليتها الاجتماعية وأتحاسب على إللى حققته وإللى فشلت فيه قدام ربنا..

وأنا بطبعى إنسان لا أحب الارتباط بمكان، وأبسط شىء إنى عمرى ما كان عندى مكتب ودائما أحب الحرية والانطلاق» وانفجر السادات ضاحكا وقال لى «هو فيه واحد بيعرف يدير مراته يا درش؟!» وقال لى «فكر فى هذا العرض» ولكننى أصررت على موقفى ورفضى لهذه المناصب مع تقديم الشكر له على هذه الثقة. قبل أن ينتهى لقاؤنا قلت له سينتهى الكاتب بداخلى مع أول يوم لى مديراً وسأكون مديراً فاشلاً ولن أجد وقتا لأكتب فيه وسوف تخسر أنت فىّ الأخ والصديق، وكان رفضى عن اقتناع ثابت فى كل الأحوال، وهو أننى لا أصلح إلا كاتبا، اقتنع الرئيس السادات بوجهة نظرى، واكتفيت بقبول العمل كمستشار شخصى له لكى أكون دائما بالقرب منه.

مذكرات د : مصطفى محمود " عشت بين سكان «الدنكا» " ( الحلقة الثالثة عشر )




■ الإنسان فى المناطق القطبية سمين مكتنز بالدهن، تماما مثل الدب والحوت، ليقى نفسه غائلة البرد، وهو فى المناطق الاستوائية الحارة نحيل هزيل أسود كأنما اخترع لجسمه مظلة تقيه الشمس وسحالى الكهوف، التى تعيش فى الظلام لا وظيفة عندها للبصر ولا للألوان ولهذا فهى عمياء وبلا لون، على حين أن سحالى البرارى حادة البصر وملونة

مصطفى محمود

أمران عُرف بهما مصطفى محمود.. الأول أنه حقق كل حلم خطر على باله حتى لو كان حلمه ذات يوم أن يحصل على ما حصل عليه السندباد.. فهذه الشخصية الأسطورية التى جابت العالم وحصلت على تجارب ومعارف أسطورية حلم بها الطفل مصطفى محمود منذ ثمانين عاما وهو يقرأ قصصه المرسومة على ورق أصفر، والتى كان والده يحضرها له وهو عائد من عمله.. وبعد ثلاثين عاما حقق الشاب مصطفى محمود حلمه بعدما جاب مئات الدول والقبائل الأفريقية والمناطق المجهولة فى صحراوات أفريقيا وأدغال أمريكا الجنوبية وجبال آسيا..

حاول الوصول إلى أعماق المناطق التى يحط فيها ولم يشاهدها من الخارج، ويهتم بالتقاط صور له أمام المعالم السياحية كما يفعل أى سائح لدرجة أن يسير من وسط أفريقيا إلى القاهرة على أقدامه على مدار شهور، يحدد منابع النيل، ويخترق أدغالاً لم نسمع بها ويعيش مع أبناء قبائل هذه الأدغال.. ثم يذهب إلى لندن ليزور بيج بن وفقط بل اخترق أحياء لندن غير المعروفة، ودخل إلى أزقة وشوارع مجهولة ووصل إلى منازل وأوكار الروحانيات الشهيرة فيها.. هل شارك مصطفى محمود فى جلسات تحضير الروحانيات؟

نعم، شارك وسجل وحلل ثم ضحك فى النهاية، وقال إن دراويش السيدة أكثر إتقانا من علماء تحضير الأرواح الإنجليز المشهورين الذين تُكتب عنهم موسوعات وكتب.. وكل ما سبق يعتبره البعض كثيرا جدا، لكن مصطفى محمود وحده يعلم السر فى ذلك، وقد قاله بالفعل، إن كل ذلك إشباع لرغبة طالما انتابته وهو صغير بأن يعيش ما عاشه السندباد، وفقط.

الأمر الثانى الذى اشتهر به مصطفى محمود بعد تحقيقه لأى حلم خطر على باله وهو طفل.. أنه لم يأخذ الدين ويتقبله كالآخرين.. وفى رحلته غير المسبوقة بين مذاهب العالم مر على وبكل مذاهب الأرض، ففى آسيا راقب عبدة النار وعبدة الأبقار وعبدة الجبال والشمس والأعضاء الجنسية، وفعل الأمر نفسه فى الأمريكتين شمالا وجنوبا.. ثم مرّ بأوروبا زائرا، محللا ومفسرا لكل ما تراه العين، وحاكيا لما نعرفه عن تلك الدول المتقدمة.

لكن.. ما أكثر التجارب تأثيرا على الدكتور مصطفى محمود؟
إنها رحلته إلى قبائل الدنكا، التى أشبعت عنده الشقين السابقين: غريزة الترحال، وغريزة المعرفة الدينية.

ويقول فيلسوف الشرق عن هذه الرحلة: قبيلة «الدنكا» التى تعيش على ضفاف النيل الأبيض بالسودان أكثر قبائل الغابة تدينا، وهم يعتبرون كل ظاهرة تحدث فى الحياة اليومية حتى الظواهر التافهة إشارة إلهية تستدعى ذبح شاة وتقديم قربان، وأثناء إقامتى بينهم حطت طائرة أوروبية فى تونجى بين قبائل الدنكا أثارت حالة من الرعب كانت نتيجتها أن ذبحت أكثر من خمسين من الثيران وقدمت قرابين، وتقدم رجل عجوز من الدنكا واعترف بجريمة قتل كان يخفى خبرها منذ سنين،

ورأيت رجلاً من الدنكا وهو يقف فى حديقته ورأى ثمرة كبيرة من ثمار المانجو أكبر من الحجم العادى فيهلل ويكبر ويأتى بشاة ويدور بها عدة مرات حول شجرة المانجو وينتظر حتى تبول فيذبحها ويسكب دمها على الثمرة ويقطع أذنيها وأطرافها ويعلقها على سارية ويسلخها ويوزع لحمها على جيرانه، ويقدم جلدها لكهنة «نيالاك»، وهو الرب الذى يعبده الدنكا، وينظرون إليه باعتباره خالق الدنيا ومؤسس نظامها.

و«نيالاك» معناها الحرفى «الذى فى السماء» أو «الأعلى»، والقوة الروحية الثانية التى يؤمنون بها هى «دنجديت» صانع الأمطار ولـ«دنجديت» قصة مثيرة، فقد أنزله الله من السماء حيث بعث بالأم المقدسة من سمواته فهبطت على قبيلة أديرو وبطنها حامل والتف حولها القرويون وذبحوا الذبائح والقرابين فرحين مهللين، وابتنوا لها كوخا جميلا، وبعد شهر كانت تضع مولودا ملائكيا له أسنان كأسنان الكبار ويبكى من عينيه دما،

وقالت الأم المقدسة وهى تشير إلى طفلها: سيكون هذا الطفل راعيكم وحامى دياركم، وطلبت منهم أن يقدموا له الشياه والأبقار قرابين فقدموا لها ما طلبت فانشقت السماء عن أمطار غزيرة لم يشهدوا لها مثيلا، ومن ذلك اليوم أطلقوا على الطفل اسم «دنجديت»، المطر الغزير، وعاشوا تحت حكم «دنجديت» سنين طويلة حتى بلغ «دنجديت» سن الشيخوخة ثم اختفى فى عاصفة فلم يُعثر له على أثر، وفى بعض الحكايات أن «دنجديت» مازال حيا وأنه خالد لا يموت وأنه يتنقل بين قبائل الدنكا متلبسا صورة بشرية،

وفى إحدى الأساطير أن «دنجديت» هذا اختلف مع زوجته «أبوك» وأرسل عليها طائرا قطع حبل النجاة بين السماء والأرض، ومن ذلك اليوم والسماء منفصلة عن الأرض، ولـ«دنجديت» معابد كثيرة فى قرى الدنكا، ومعبد «دنجديت» وحدة سكنية عادية تتألف من ثلاثة أكواخ، أحد هذه الأكواخ هو مسكن «دنجديت»، ويقوم عليه اثنان من الكهنة هما الوحيدان اللذان يدخلانه، وفى المعبد مجموعة من الحراب يقال إن «دنجديت» نزل بها من السماء،

ويقال إن من يسرقها يموت أو تقطع يده، وحينما يتقدم واحد من الدنكا بقربان إلى كاهن الـ«دنجديت» ويشكو من عقم زوجته مثلا فإن الكاهن يمهله حتى يرى «دنجديت» فى الحلم وهو فى العادة لا يقبل منه قربانا حتى يأتيه فى الحلم ويعلنه بقبول القربان، وحينئذ يأذن الكاهن بالمثول بقرابينه، وبعد تقديم القربان يمسح الكاهن على رأس الزائر بمسحه من تراب المعبد ثم يدهن جسمه بالزيت المقدس ثم يأخذ محتويات أمعاء الضحية وينثرها على المذبح وأحيانا يقدم الزائر هدية من التبغ مع القربان.

والدنكا يعتقدون أن كل إنسان له روح أو شبح يخرج منه بالموت، ويتجول فى كل مكان، وهو الذى يسبب الأحلام، وحينما يحلم الواحد منهم بأن روح أبيه الميت جائعة فإنه يبادر حينما يستيقظ إلى وضع إناء فيه بعض الدقيق والزيت إلى جوار الباب ليطعم الروح الهائمة.

وأرواح الأجداد ينظر إليها بتقديس وإجلال باعتبارها أرواحا عادية منقذة، وأنت ترى أحدهم حينما يقذف بسهمه فى الماء ليصطاد يهتف قائلا: إيه يا روح أبى الهادئة، وأحيانا حينما يتعرض لخطر داهم يهتف مناديا على روح الطوطم الحيوانى الذى يقدسه: إيه يا روح مارياك، يا روح الثعبان المقدس، قو ذراعى.

والعظماء المختارون تلبسهم الروح العليا وتكون لهم القدرة على كشف الغيب وعلاج المرضى ويطلق عليهم اسم «تيت»، ويذهب أفراد القبيلة لاستشارتهم والدنكا يؤمنون بأثر اللعنة والبركة والأب يبارك ولده بأن يبصق فى يده ويمسح البصاق على رأس ولده وعلى صدره ثم يأخذ من تراب الأرض ويحثوه عليه، والأخ يلعن أخته ويقول لها فى ساعات الغضب: اذهبى لن يكون لك ولد، ملعونة أنتِ وعاقر ما عشتِ فى هذه الدنيا، وهى لعنة لا علاج لها إلا بأن يذبح شاة ويأخذ محتويات أمعائها ويبصق عليها ويدهن صدر أخته وبطنها وهو يقول: اسمعى يا روح أجدادى لقد قلت ما قلته دون أن أعنيه وأنا الآن أتمنى لأختى ولداً جميلاً، وأن تنجب ما تشتهى من الأطفال. والدنكا يؤمنون بأن الإنسان يستطيع أن يضر غيره بمجرد أن يشتهى هذا الضرر بجماع قلبه، وأن الإرادة يمكن أن تقتل كما يقتل السيف دون أن ينتقل صاحبها من مكانه وهم يؤمنون بالقسم.

ورأيت هناك أساليب متبعة فى القسم مثل أن يلعق الرجل مطرقة الحداد وهو يقسم قائلا: لامت وأتحطم بهذه المطرقة إذا كنت أحنث فى قسمى. وساحر الدنكا يدعى أحيانا أنه يستطيع أن يؤخر غروب الشمس وهو فى سبيله إلى ذلك يجمع روث الفيل ويضعه بين الأعشاب فى اتجاه الغرب كمحاولة لإيقاف الشمس وتأخير دورانها.

وصانع الأمطار شخصية مهمة بين الدنكا وهو فى مقام شخصية الملك ويجب ألا يموت موتا طبيعيا حتى لا تحل لعنة الشيخوخة بالقبيلة، وهو حينما يستشعر دنو أجله يطلب أن تحفر له حفرة عميقة ينام فيها على عنجريب من جلد بقرة وحوله المقربون من ذريته وأصحابه ويظل بلا طعام ٢٤ ساعة حتى يفتر تماما فيهيل عليه أصحابه التراب حتى يختنق فيبادرون إلى دفنه، وفى العادة يدفنون معه ثورا أو بقرة ويصبون اللبن على قبره.

وطقوس المطر تبدأ فى نهاية الجفاف من كل عام، وأحيانا يرفض صانع الأمطار القيام بالطقوس ويعتكف فى كوخه، فيقوم كاهن آخر أقل منه مرتبة بالإشراف على الطقوس ويأخذ كوبا مثقوبا مملوءا بالماء ويعلقه على باب الكوخ ثم يدخل وهو يغمغم: يا إلهى، هأنذا أحتمى من المطر فى داخل كوخى، يا له من مطر غزير.

ويحدث فى حالات كثيرة أن تصدق السماء على كلامه فتمطر وكل طائفة من طوائف الدنكا لها حيوان تقدسه وتحرم صيده «طوطم» وتعتبر نفسها منحدرة من سلالته وأحيانا تقدس نباتا أو ظاهرة طبيعية: «الأسد.. الثعبان.. الفيل.. الضبع.. البوم.. التمساح.. الثعلب.. النار.. السحاب.. النهر.. القوقع.. النخيل.. البلح»، وأشجار البامبو كلها طواطم دنكاوية، والدنكاوى الذى يقدس الثعبان حينما يلتقى بثعبان من الفصيلة التى يقدسها يرش على ظهره التراب ليطيب خاطره ولا يتعرض له بسوء، والدنكاوى الذى يقدس الأسد يذبح خروفا ويبعثر لحمه فى الغابة ليأكل الأسد، والدنكاوى الذى يقدس الضبع يقدم الطعام للضباع كما يقدمه لأولاده، وإذا قطع رجل الشجرة التى يقدسها فإنه يموت، وإذا أحرق خشبها فإن دخانها يعمى عينيه،

وهناك حكايات خرافية تُروى عن هذه الطوطمية، فالدنكاوية الذين يعيشون فى خور إدار يحكون عن «اليك» الجميلة التى خرجت من زبد النهر، وكيف أن القرويين الذين عثروا عليها أخذوها فرحين إلى القرية وهناك تبخرت «اليك» وتحولت إلى ماء عند أول لمسة من يد رجل، وحينما ذبح القرويون الذبائح وقدموا القرابين متوسلين إلى الجميلة «اليك» أن تعود سالت مياه «اليك» العطرية وعادت إلى النهر، ومن يومها والقبيلة الدنكاوية تلقى فى النهر بقرة حية مع عجلها الصغير فى موسم المطر قربانا للجميلة «اليك».

وفى قبيلة فاكور يحكون عن «فاكور» الذى خرج من الصغر وكان يحلب العنزات ويشرب كل ما فى ضرعاتها من لبن حتى قبض عليه البطل «أيويل» وحاول «فاكور» الخلاص من قبضة «أيويل» فلم يستطع فتحول إلى سيد قشطة ثم إلى عصفور ثم إلى غزال، ولكن البطل «أيويل» ظل ممسكا به وانفجرت الصخرة التى خرج منها «فاكور» وكان لها دوى هائل، وقدم القرويون بقرة قربانا للصخرة لإرضائها فابتلعتها الصخرة ونزل المطر مدرارا وابتسمت السماء وقبلت ما قدمه القرويون من قرابين، ومازالت السماء إلى الآن تسقط على الأرض هذه الصخور ولكنها الآن لا تزيد على حصوات صغيرة.

وبعض القبائل يعبدون الشهب والنيازك التى تتساقط على الأرض ويقدسونها كالطواطم، والدنكا يطلقون على أبنائهم أسماء حسب المناسبات فيسمى الواحد منهم ابنه «ألوت» أى رطب وبارد لأن ميلاده كان فى موسم الأمطار، أو «أديو» أى الباكى لأن ميلاده صادف حدوث وفاة فى العائلة، أو «كوينير» الذى لا يعرف خاله لأنه ولد فى أثناء خلاف بين أبيه وخاله، وأسماء أخرى مثل الكل يصلى لأن ميلاده حدث بعد فترة طويلة من العقم وبعد أن اشتركت القرية كلها فى الصلاة من أجل ميلاد ابن، وبعض الأسماء تكون أسماء أجداد أو أقرباء أعزاء أو حيوانات مقدسة، كما أنهم يطلقون الأسماء على مواشيهم ويعرفون كل بقرة باسمها.

وعلاقة الدنكاوى بثوره وبقرته أكثر من علاقة إنسان بحيوان، فهو يغنى لها ويحنو عليها ويناديها باسمها ويناجيها فى خلوته ويبلغ من حبه لها أنه يؤثر موت أولاده فى موسم الجفاف جوعا على أن يذبح لهم بقرة من بقراته، وهو يفضل خلفة البنات لأن العرسان يمهرونهن أبقارا، وعادة شج الجبهة ونزع الأسنان الأربع فى الفك الأسفل متبعة فى الدنكا كما فى الشيلوك، ولا يعتبر الدنكاوى رجلا إلا بعد أن تُشج جبهته وتنزع أسنانه، والنساء يسرن حليقات الرؤوس، والرجال يصففون شعورهم ويدهنونها بالصمغ وبول البقر، والموتى يُدفنون وفقا لطقوس وتقاليد خاصة، فالميت يوضع على جنبه الأيمن ويده اليمنى تحت صدغه، وذراعاه وساقاه مثناة مثل الجنين فى بطن أمه، وتحفر له حفرة على باب الكوخ من الجهة اليمنى يدارى فيها ويغطى بجلد بقرة ثم يهال عليه التراب،

ويبقى أقاربه حول الحفرة أربعة أو خمسة أيام نائمين فى العراء، وتحثو النسوة التراب على وجوههن ويندبن، ويذبح ثور ويقدم لروح الميت لترضيته حتى لا يأخذ معه بقية العائلة، وتبنى بالقرب من الحفرة طابية من الطين يرشق فيها ضرنا الضحية وتوضع فى وسطها عصا يتدلى منها حبل البهيمة، إشارة إلى أن القربان تم تقديمه، ويمتنع أهل الميت خمسة أيام عن شرب اللبن، وتطلق النساء شعورهن ولا يحلقنها طوال هذه المدة.

وبعد أن أنهى مرحلة أردنا أن نسأله السؤال الأهم: هل اكتفيت؟ وتكون الإجابة: بالطبع لا، ولو فعلت مثل ما فعلت مائة مرة.. لو حصلت على عمر آخر وخيرونى بين أشياء عديدة فعلتها لاخترت السفر.. الترحال.. إنها كفيلة بأن تزرع بداخلك أى شىء آخر، فالسفر سيعلمك التاريخ، ويعلمك الفن، ويعلمك التجارة واللغات والتعمق فى الدين.

أما الجديد الذى فاجأنا به فيلسوفنا الأكبر مصطفى محمود فى الكلام عنه، فهو الدخول مرة أخرى فى معترك السياسة وآراؤه فيما مرت به مصر فى العصر الذى مرّ به، وهو الذى مرّ بالملكية، وخاصمته الناصرية، وتزوج العصر الساداتى، وما سر السيارة السوداء التى حملت أرقاماً سوداء برقم ( ١)، التى كانت تحمله كل يوم جمعة من كل أسبوع إلى مكان مجهول؟ وهل كان يحتل منصب المستشار السرى للرئيس السادات؟ ولماذا رفض منصب الوزير الذى عرضه عليه؟

مذكرات د : مصطفى محمود " رحلاتى بين أقصى الحضارة والبداوة " ( الحلقة الثانية عشر )

فتح العالم الكبير والمفكر الجليل الدكتور مصطفى محمود دفاترة ليطلعنا على أهم رحلاته التى مازال يتحدث عنها والتى طاف خلالها العالم وجمع خلالها فكره ومقتنياته النادرة التى مازال يحتفظ بها حتى الآن داخل متحفة الجيولوجى والمائى الموجود فوق سطح مسجده من أحجار وأسماك نادرة والتى جمعها من رحلاته المختلفة لباريس ولندن ولبنان. لقد صور لنا مصطفى محمود كل مظاهر الحياة داخل هذه الدول التى ربما ذهب البعض إليها ولم يستطع التعبير عما تحمله داخلها من معان حقيقية،

وربما يكون البعض لم يذهب إليها حتى الآن. لم يكن يسرد ما شاهده كزائر عادى إنما كان يصور لنا ما شاهده وعايشه بنظر الفيلسوف فقال: فى باريس كنت أقف طويلا أمام هذه الوفرة من الأجسام العارية الموجودة فى كل مكان.. الموجودة على إعلانات القمصان والعطور والدعاية السياسية والأدوية وطوابع البريد الموجودة على مسارح الاستربتيز فى البيجال،

والفرنسيون يشاهدون هذه العروض العارية فى اهتمام، ولكن ليس منبع هذا الاهتمام الحرمان الجنسى أو الفضول لرؤية الأعضاء التناسلية وإنما منبعه فلسفة الجسد العارى والهدف منها اعتياد العين على رؤية الجسد العارى لنقل التفكير من موضوع الإثارة الغريزية إلى موضوع التأمل الذهنى البحت فى كل ما يمكن أن يرى فى الجسد العارى.

ولم أشاهد فى باريس هذا النوع من الفن فقط بل كان هناك المسرح الجاد وعشرات المتاحف التى تعرض آثارنا الفرعونية بذوق وجمال وقرأت فيها أيضا صحفا جادة. وكما رأيت الباريسى يسكر طيلة الليل فى رأس السنة فهو نفسه الذى يعمل بيده وأسنانه طيلة العام وفيها أيضا أتوبيسات قديمة ولكنها تسير بحالة جيدة نتيجة الإشراف والصيانة الدائمة لها.

ولا يمكن أن أترك رحلتى فى باريس لأنتقل إلى رحلة فى دولة أخرى قبل أن أتكلم عن أهم ما شاهدته من روايات مجسدة على المسرح فى باريس، حيث إن الفترة التى زرت فيها باريس كانت تتكلم عن الله والإنسان، فكتاب المسرح قدموا من خلال أعمالهم أن الله فى إجازة ولا أحد يرعانا فى السماء، فشاهدت مسرحية «مقبرة العربات» للمؤلف الإسبانى «ارابال»،

حيث كان الديكور الذى لم يتغير طوال العرض هو خرابة قذرة تتراكم بها العربات القديمة ثم نفهم أن ما نراه هو لوكاندة وصاحبها يؤجر غرفها ويستغل زوجته بأن تضاجع نزلاء اللوكاندة عند اللزوم وإذا رفضت يضربها ويلقى بها فى الغرفة لتعود له بأجر مضاعف.

ويلاحظ أن ممارسة الجنس فى هذه الخرابة هى وسيلة لقتل الوقت أو استعراض القوة فى إذلال الرجل للمرأة أو العكس، لا أحد يمارس الجنس للحب واللهو حتى يظهر المسيح وهو عصرى جدا فهو يمارس الجنس مع زوجة صاحب اللوكاندة ونعرف أنه يفعل هذا لأنه يحبها وأنه الوحيد الذى يمارس الجنس من أجل الحب ويتآمر عليه الرجال لأنه سيفسد عليهم حياتهم السهلة، ويبلغون البوليس ويصلبونه وبالطبع كان جميع أبطال المسرحية عراة تماما.

كما شاهدت فى السينما فيلما يحمل اسم «نهاية الأسبوع» لجودار وكان محاولة شديدة التطرف.. يبدأ الفيلم بحوار بين زوجين وتعتذر عن الخروج معه لأنها مريضة ونفهم بعد ذلك أنها كذبت لأنها تريد أن تلتقى بعشيقها ونرى أن الزوج استفاد من الفرصة فذهب إلى عشيقته، ثم تذهب الكاميرا إلى بيت العشيق ونرى الزوجة عارية ملط وتحكى للعشيق اعترافات مفصلة،

حينما تم تبادل الزوجات بين زوجها وصديقه وكيف ضاجعها صديق زوجها، ثم تنتقل الكاميرا إلى اليوم الجديد وهو نهاية الأسبوع والزوج والزوجة يستقلان سيارتهما فى الطريق إلى الأم فى الريف، والطريق الريفى مزدحم وفية مئات السيارات بسبب حادث وكل صاحب عربة يلعن ويسب، لا أحد يفكر إلا فى نفسه وفى الوصول إلى هدفه قبل الآخرين وينفتح الطريق لنرى حوادث تصادم بشعة راح ضحيتها شباب وبنات وأطفال قتلى على جانبى الطريق ولا أحد يتوقف ليرى وانما تمر السيارات مسرعة، ولكن المأساة لم تنته، فعلى جانبى الطريق عربات محطمة محترقة وحوادث وقتلى..

ونفهم من هذا أن المؤلف يرمز إلى النيران المشتعلة على الجانبين فى فيتنام والكونغو ونيجيريا والشرق الأوسط، بينما فى أوروبا القبلات على الأرصفة ويقضون إجازة نهاية الأسبوع. ثم يفاجأ الزوجان بقاطع طريق يقطع طريقهما ثم يقفز فى هدوء إلى داخل العربة ويقول للزوجين إنه الله وإنه يريد الذهاب إلى لندن وينظر الزوجان إليه فى سخرية ولكن يرفع الرجل يده إلى السماء ويبسطها فإذا بها أرنب، ويقول إنه مستعد أن يجيب لهما أى طلب،

ويطلب الزوج بعد تفكير عربية مرسيدس موديل العام وتطلب الزوجة فستان سواريه ويصرخ الله فى ازدراء: «ولكنك يا رجل تملك سيارة مرسيدس موديل العام السابق وأنت يا امراة لديك خمسون فستان سواريه» ويستعجب بقوله: هل تلتقيان بالله وتطلبان مثل هذه المطالب البرجوازية، بصراحة يا بشر أنا أستحقركم جدا، ويقفز نازلا من السيارة ويصرخ الزوجان: إننا نشك فى أمرك أحدث لنا معجزة.. فيجيب الله وهو يختفى: «أنتما أحقر من أن أثبت لكما وجودى»، ويريد أن يقول الفيلم إن أوروبا تعيش فى عالم بلا إله وبلا أمل وأنها على حافة الهاوية.

كما شغلنى عالم الأرواح وحاولت أن أتعرف عليه كنوع من الفضول عن طريق حضور جلسات تحضير الأرواح ولأننى أيضا أرفض المسلمات فى هذا الجانب وأريد أن أتعرف على أسراره وكانت حالة من الفكاهة الشديدة عندما علمت أننا فى مصر لسنا الوحيدين المهتمين بهذا النوع الذى ربما يكون علما،

ووجدت أن فى لندن مبنى أنيقا من طابقين، فى الطابق السفلى مكتبة الأرواح التى تحتوى على كل كتب تحضير الأرواح والتعرف عليها وترجمة لكل الكتب السماوية بما فيها القرآن، وعرفت من إحدى السيدات الموجودات بالمبنى أن هناك محاضرات يومية عن المشكلات الروحية، وعروضا خاصة يقدمها الدراويش الإنجليز دون وسطاء،

وكنت مسرورا جدا لأنى سأرى الدراويش الليلة، الذين اعتدت أن أراهم أمام مقام السيد البدوى بطنطا أو السيدة زينب أو مسجد الحسين بالقاهرة، ولكن سيكونون دراويش إنجليز. وحضرت فى موعد المحاضرة ووجدت أن الكثير من الحاضرين سيدات فى أعمار الشيخوخة وبالتالى من السهولة التأثير عليهم،

كما وجدت أن سيدة هى التى ستقوم بدور الدرويش وعلمت أن هذا هو التجديد من الأجانب، فعندنا الرجال وعندهم النساء هو صراع الرجل والمرأة والمنافسة على إثبات نفسها حتى لو فى مجال العمل الروحانى. وبدأت الجلسة بقراءة ابتهالات وصلوات، والغريب أننى عرفت أنها هى التى تختار من يسألونها وأيقنت أنها لابد أن تكون نصابة فبالطبع من ستسأل أتباعها المنتشرين بين الناس داخل القاعة وعلى الفور وقفت لانصرف ولكن سألتنى إحدى السيدات عن سبب انصرافى فقلت لها: عندنا فى مصر مئات الدراويش يستطيعون أن يصنعوا أشياء أعظم من هذا..

فقالت: لماذا لا يحضرون إلينا.. فقلت لها: فعلا لابد أن نصدر لكم دراويش الحسين والسيدة زينب. وأيقنت فى هذا الوقت أننا لا نستطيع أن نصدر غير الدراويش فهم أصبحوا فى مصر أعدادا كبيرة جدا. أما عن أيامى فى لبنان «بيروت» باريس الشرق الأوسط فتعلمت منها الكثير، فلبنان هى دولة لا تمتلك البترول ولكن تمتلك الجمال الفتان الذى يجبر الناس على زيارتها ووجدت أن فى لبنان الكباريهات منتشرة فى كل مكان تكاد تكون فى كل شارع فكباريهات فوق الأرض وتحت الأرض وفوق الأسطح وفى خنادق وعندما زرتها كان الفن والمسرح والسينما غير موجودين بالمرة وذلك لأن الفن يحتاج إلى مجهود عالى ومعرض للنجاح أو الفشل والإذاعة والتليفزيون وسيلة إعلانية فقط ولكن أخطر ما وجدته داخل لبنان هذه البلد التى يتمتع أهلها بالطيبة الفائقة أنها بانتمائها إلى كيان عربى كبير تجد نسبها وكرامتها وعروبتها فلا يمكن أن تعيش لبنان زوجة للكل ولا يمكن أن تعيش لقيطة يكتب كتابها بالفرنسية ويكتب شعرائها بالاتينية أن طلاقها من عروبتها لن يضمها إلى العالم ولن يجعل مواطنها عالميا.

ثم ضحك كثيرا وهو يقول.. ما نشاهده فى بلاد الغرب من غرائب السلوك ومعتقدات متفتحة لا يتقبلها مجتمعنا الشرقى بسهولة ربما يكون أفضل بكثير مما يحدث بين قبائل الغابات الاستوائية وفى أفريقيا وفى صحراء السودان، فقد سافرت للكثير منها، وهنا أتذكر جيدا ما شاهدته داخل قبيلة الشيلوك من عادات ومعتقدات،

ووصف لنا ملامح النساء والرجال والأطفال والمنازل، وهذا ربما يدعونى أو يدعو القراء إلى حمد الله على نعمة المدنية التى نعيشها والتحضر الذى يفوق هذه القبائل التى مازالت موجودة حتى الآن بآلاف السنين.. ولكنه يجعلنا نرى، وبوضوح، الصورة التى يصورها لنا الغرب، فهذه نفس الصورة فهم يضعوننا فى نفس موضع هذه القبائل ولكن بعيدا عن تصورات الغرب والشرق التى لن تتغير إلا بمعجزات إنسانية وليست ربانية فقط،

قال: فى قبيلة «الشيلوك» كانت الباخرة تسير ببطء كأنها سلحفاة تمشى على بطنها وأنا مغمى علىّ من فرط الحرارة فى علبة السردين التى أنام فيها والمروحة تزنّ على رأسى بلا جدوى، ولا أجرؤ على أن أفتح باباً أو شباكاً فأسراب البعوض تحوم فى أفواج كثيفة فى الخارج، ولا أكاد أتخيل أن أخرج أصبعا حتى لا تهجم عليها فى وحشية وكلها من بعوض الأنوفيل حامل الملاريا،

وكانت الملاريا قد بدأت تكتسح المركب، فالريس حرارته ٤٠، واثنان من البحارة يعانيان رجفة الحمى وكنت أفتح عينى بين لحظة وأخرى وأنا فى ضباب النوم فأرى جزائر من النور تسبح طائرة على جانبى السفينة وكنت أتساءل: هل أهذى أنا الآخر؟ وأفرك عينى وأحملق حولى جيدا مازالت هناك تلك الجزائر من النور بالفعل، إنى لا أحلم، إنها جزائر من نباتات الهياسنث سابحة فى التيار تضيئها أنوار الباخرة على الجانبين،

وقد كان قمر خط الاستواء يبدو شاحبا يغلفه الضباب والبخار، وخطر لى أن أصعد على سطح الباخرة لأشاهد الطبيعة فى تلك الساعة من الليل، ودهنت وجهى وأطرافى بطارد البعوض وخرجت ألتمس الهواء، ولم يكن ثمة هواء وإنما رطوبة راكدة تتكثف على الأهداب وعلى الجلد وهواء ثقيل له ضغط، ولم تكن الطبيعة نائمة كما تصورت وإنما كانت صاخبة جياشة بالحركة والحياة، أسراب الفيلة تملأ المراعى وتماسيح النيل الضخمة تمرح حول الباخرة وقطعان سيد قشطة تستحم،

وآلاف الكروانات والبلابل والعصافير والنسور والطيور الملونة تحلق على ارتفاعات قليلة، وجيوش الحباحب المضيئة تلمع كسنون الإبر فى الظلام، وحرب الطبيعة ناشبة على أشدها: الحباحب تأكل البعوض والضفدع يأكل الاثنين، والأسماك تأكل الكل، ثم يذهب الجميع فى جوف التمساح فى صمت، على حين يطل القمر شاحبا يغلفه الضباب والبخار، ومن وقت لآخر يرشق الهدهد منقاره فى الطين ليخرج بدودة كبيرة،

ويغطس طائر اللقلق فى الماء ليخرج وفى فمه سمكة، وترتفع هامات السفانا العالية وأشجار البردى وسيقان الهياسنث على الشطآن لتحجب ما يجرى فى الداخل، لا يندو عنها صوت إلا حينما يتخللها ثعبان فيخشخش بين أوراقها وهو يسعى ليرد الماء أو يتمطأ فيل فتهوى كتل من هذه النباتات المتشابكة،

وتتفتت ويجرفها التيار فى جزائر عائمة صغيرة تنعكس عليها أضواء الباخرة فتلمع فى الظلمة كل صنوف الحياة كان يبدو عليها الانتعاش فى هذا الجو الساخن فهى تتلاقح وتتوالد وتتكاثر وتأكل بعضها وتنقنق وتزقزق وتقشقش وتفح وتنبح وتعوى وتملأ المستنقعات اللزجة وتشرب مياهها الراكدة فى شهية كالحساء وتنمو وتبلغ أحجاما عملاقة، أشجار الأدليب كانت تصطف فى طوابير شاهقة الطول على الجانبين وثمار الأدليب كانت تتساقط فى الماء كل ثمرة فى حجم البطيخة،

وهى من فصيلة الدوم وأشجار البردى كانت تنمو فى وحشية حتى تسد الأفق، التماسيح كانت تشق الماء شهباء اللون كالحة ضخمة كالبوارج الحربية، كانت هذه البيئة الساخنة هى البيئة المختارة لهذه الفصائل من النباتات والحيوانات. شىء واحد لم يكن يظهر إلا نادراً فى هذه المتاهات الاستوائية الشاسعة هو الإنسان، كل بضعة أميال كان يظهر واحد أو اثنان أو ثلاثة من الزنوج عراة، يحملون الحراب، وكلهم من قبيلة «الشيلوك»،والشيلوك والدنكا والنوير هى القبائل التى يلقاها المسافر فى هذه المنطقة من النيل بين كوستى وملكال وبور وجوبا، وزنوج هذه القبائل يسيرون عرايا وأحيانا كنت أجد الواحد منهم «عريانا ملط» كيوم ولدته أمه و«لابس كرافتة» وهم ينظرون إلى المدنية بهذه الطريقة من التريقة، فالثياب فى نظرهم مجرد تقليعة بلا وظائف، مجرد زوائد لا معنى لها، كزر الطربوش،

ومعظمنا كنا قد بدأنا نعتنق هذه الفلسفة فقد كنا نسير على سطح المركب ءنصاف عرايا لا فرق بيننا وبين الشيلوك إلا نصف متر الدبلان الذى يقتضيه الحياء التقليدى، ولكن الشيلوك لم يكونوا رواداً فى مسألة الثياب وحدها ولكنهم كانوا روادا فى كل ما هو بدائى، وكانوا يرفضون بشدة كل ما هو مدنية ويتمسكون بكبريائهم وتقاليدهم، وكانت ديانتهم وحدانية، فهم يؤمنون بإله واحد يسمونه «جوك»،

ولكن فهمهم لهذا الإله الواحد غامض ومضطرب فهو فى نظرهم خفى وموجود فى كل مكان وخالق للسماء، ولكن مشيئته لا تنفذ إلا عن طريق نياكانج وهو ملك الشيلوك القديم الذى أنشأ هذه القبيلة، وهو فى اعتقادهم لم يمت وإنما تحول إلى ريح واختفى ثم حلت فيه روح «جوك» وأصبح ممثلا لمشيئته على الأرض،

ولهذا فهم يصلون له ويقيمون له المعابد ويقدمون له القرابين ونياكانج متصل اتصالا يوميا بحياة الشيلوك، أما جوك أو الله فهو شىء مجرد وبعيد ومتصل أكثر بالكون كله، ومعابد النياكانج هى وحدات سكنية عادية يعتقد الشيلوك أن روح النياكانج تسكنها، وتتألف الوحدة من خمسة أو ستة أكواخ، مثل أكواخ السكن العادية التى يسكنها الشيلوك، مع فارق أنها أكثر اتساعا ونظافة، ويقوم على خدمتها كهنة من عجائز الشيلوك ومعهم زوجاتهم الطاعنات فى السن، ومحرم دخول هذه المعابد لأى فرد من أفراد الشعب فيما عدا هؤلاء الكهنة،

وعلى من يدخلها من النساء أو الرجال أن يكون صائما صياما تاما عن العلاقة الزوجية، والكوخ الأول من هذه الأكواخ يخصص لنزول روح نياكانج وفيه توضع أسلحته وأدواته وقيثارته وطبوله وجلود قرابينه، وعلى بابه تغرس قرون الأضاحى التى قدمت له، والكوخ الثانى يخصص للماشية التى تخص المعبد، والثالث لتخزين الحبوب وتخمير المشروبات، والرابع للكهنة والخدم والعبيد،

والخامس لتقضى فيه روح نياكانج حاجاته وتستحم وتتبول، والسادس لنزول روح نيكايا والدة نياكانج ويرتل الكهنة فى صلواتهم قائلين: «يا إلهنا نجنا، بيدك وحدك نجاتنا، أنت تملك السماء والأرض والنجوم، وبمساعدة نياكانج تقوى أذرعتنا عند الحرب وتحفظ لنا ماشيتنا وتبعد عنا المرض والجوع، كل أبقارنا مبذولة من أجلك، وكل دمائنا فداؤك». وهم يذبحون الثيران التى تقدم قرابين ويأكلون لحومها ويرمون بعظامها فى النهر، أما الأبقار فيحفظونها فى حظيرة المواشى بالمعبد.

وأهم الطقوس الدينية طقوس المطر وطقوس الحصاد، وفى يوم الاحتفال بطقوس المطر تدق الطبول فى ساحة المعبد التى تكنس وتنظف للمناسبة، ويجتمع الشباب للرقص بالحراب والسيوف والغناء لروح نياكانج، ثم يؤتى بثور القربان ويضع الكاهن فى كفه بعضا من ماء النهر ويبصق فيه ثم يرش به الثور ثم يطعنه طعنة نافذة فى أعلى الفخذ ويتركه ليدور فى الساحة حتى يخر ميتا،

وهم يستبشرون إذا اتجه الثور المحتضر إلى النهر أو إلى كوخ نياكانج ويحتفظ الكهنة بالرأس والسيقان والأحشاء ليأكلوها، ويلقون بالعظام فى النهر، ويعتقد الشيلوك أن روح نياكانج يمكن أن تحل فى عديد من الحيوانات مثل الزراف والثعبان وطائر الأكاك،

وحينما يرى الشيلوكى فراشة تقف على باب المعبد يصرخ هاتفا: «هذه روح نياكانج»، وأى شجرة تنبت بالقرب من معبد نياكانج تقدس ولا تمس ويعتقد أنها من أخشاب مقبرة نياكانج. وصيد التماسيح محرم لأن الشائع أن روح نيكايا أم نياكانج تحل فيها، وهم يعتقدون أن روح نيكايا تعيش فى الماء ولذلك يلقون بالشاة التى يقدمونها قربانا لروحها وهى حية ومقيدة من أرجلها فى الماء،

وكل ملوك الشيلوك مقدسون على مثال نياكانج ولذلك فهم يدفنون وتقام لهم معابد، ولكن تكون أصغر حجما، والموتى من الأجداد يعاملون معاملة الملوك ويعتقد أن فيهم روح جوك وأنهم على اتصال بالله، وأرواح الأجداد لا تنفصل فى ديانة الشيلوك عن أرواح الملوك أو روح نياكانج أو روح جو،

ويتشاءم الشيلوك من الملك الذى يطعن فى السن ويقعده المرض، ويعتقدون أن ما يصيب الملك من مرض وشيخوخة لا يلبث أن يحل بالقبيلة كلها وكانوا فى الماضى يقتلونه والقرابين البشرية غير مألوفة عند الشيلوك ولكنها كانت تقدم فى أحوال نادرة عندما تفشل الطقوس العادية فى استدرار المطر.

طفح اليوم من برنامج نشرة أخبار الخامسة و العشرون

طفح اليوم كوميديا ساخرة
من برنامج نشرة أخبار الخامسة و العشرون
للإعلامى سيد أبو حفيظة




.......................................................................................................

مذكرات د : مصطفى محمود " الزوجة الثانية " ( الحلقة العاشرة )



■ جلست كثيرا أفكر فى الارتباط بها وكانت تحادثنى نفسى أحيانا: هل تريد تكرار المأساة لماذا تريد أن تتعذب فى نار الحب؟

■ استطاعت هى أن تبعد عنى عقدى تجاه النساء ولكنى بعد فشلى معها مثل من سبقتها اتجهت للعلم والدين

■ نعم كنت ومازلت أفضل العلم والدين على النساء حتى على راحتى ونفسى

■ العلم هذا هو الهدف والدين هذا هو الباقى

■ كنت دائما أسعى إليهما مهما كانت العواقب والتضحيات

مصطفى محمود

«لم يخضع قلبى لعملية إجهاض لفشلى فى الزيجة الأولى.. ولم يكن مصيرى الاختباء داخل غرفتى أو منزلى لمرورى بتجربة زوجية كان مقدرا لها النجاح ولكنها فشلت، مثلما يفعل الضعفاء من الرجال فى مثل هذه المواقف.. بل كنت أقوى بكثير مما تتوقعون، واجهت الانفصال الأول فى حياتى بدبلوماسية وهدوء لاننى كنت قد توصلت إلى القرار بعد تفكير عميق.. بعد أن أصبحت الحياة الزوجية مستحيلة لتبنيها للغيرة القاتلة» كانت هذه كلمات المفكر الكبير مصطفى محمود التى.. أطلقها وهو فى حالة من الشرود عندما تحدثنا معه عن تجربة الزواج الثانية فى حياته، فقد كانت أكثر أمانيه أن يتمتع بحياة أسرية وزوجية مستقرة.. فى هذه الفتره من عمره.. بعدما اكتمل عامه الستون..

كان يومه فى هذه الفتره مقسما إلى عدة أجزاء.. مابين علمه وإيمانه وأوراقه ومؤسسته الخيرية وبرنامجه وتطلعاته.. كانت عملية تفسير القرآن تأخذ منه ربع يومه الطويل الذى كان لا ينام فيه سوى ثلاث ساعات، وكان دائما يحاول الوصول منها إلى شىء لا يدركه.. ثم يترك القرآن ليغلق على نفسه سطح الجمعية ليراقب السماء، فمرصد مصطفى محمود دائما ما يحمل الجديد.. لا يستيقظ من تلك الساعات الذى يسبح فيها مع ملكوت الخالق إلا بعد طرق على الباب من أحد العاملين معه فى البرنامج «العلم والإيمان» لأن موعد التصوير حان..

وهكذا كانت تدور الحياة.. وكان يسأل نفسه دائما.. هل أنا سعيد؟؟ ألا ينقصنى شىء؟؟ وتركنا رده كاملا لنسمعه معا كما رواه لنا بالضبط: «لم تتحقق أمنية الاستقرار التى حلمت بها.. حلمت دائما بحياة أشبه بحياة أبى وأمى وطالما بحثت عنها طويلا.. قضية الغيرة مع سامية عرقلت هذا الحلم.. وفوجئت فى أحد الأيام بأننى أعيش وحدى بدونها.. وأخذت وقتا حتى تعودت على النظام الجديد.. كنت فى هذه الأيام بدأت حلما اسمه (الجمعية) كتبت آلاف الأوراق وسجلت عشرات الحلقات التى تتكلم عن العلم والإيمان وعرفت أن هناك خلاصة واحدة لاندماج الاثنين وتتمثل فى شىء اسمه (العمل).

طبعا أنتم عارفين انى مابحبش الاسماء الكبيرة المبهرة.. مثلا العمل يعنى إيه العمل ده.. العمل من غير كلام كتير إنك ما تنامش وتحلم، تقوم تفز وتشتغل والعالم كله يشوف إنتاجك.. وكانت دى بداية مشروع الجمعية والمؤسسة الخيرية.. دماغى مشغولة بميت حاجة.. وبنيت الجمعية واستقريت فى غرفة صغيرة فوق الجمعية مش محتاج حاجة من الدنيا إلا دى.. واطلقت عليها اسم التابوت .. بس هل كان ناقصنى حاجة؟؟»..

ولأن الحب الأول فى حياتى قد ذهب ضحية الغيرة- يقول مصطفى محمود- فقد ظللت اكثر من ثمانى سنوات صائما عن الزواج لدرجة ان اصدقائى المقربين اطلقوا على جملة اصبحت بعد ذلك على لسان القريب والبعيد وهى «درش عنده عقدة الحريمات» ولكننى بعد تفكير عميق وطويل تطلب منى عزلة استمرت لعدة أشهر أفكر فى الأمر وأقرأ كل الكتب السماوية والتفاسير والأحاديث النبوية لأتوصل إلى حقيقة المرأة وكيف يمكن السيطرة عليها.. إلا أننى أوقفت التفكير فى كيفية السيطرة عليها عندما قابلت زينب..

وزينب قابلتها عام ١٩٨١، تعرفت عليها داخل مجلة صباح الخير أثناء نقاش دار بينها وبين مفيد فوزى وإيهاب وبعض الأصدقاء حول لغز الحياة والموت وظللت أستمع لها دون تدخل ثم استأذنت منهم جميعا وناقشتها بعد ذلك بنفسى واقتنعت بها وأعجبت بشخصيتها القوية.. كان لها أفكار غير الأفكار التى أقابلها كل يوم.. وقمت بدعوتها بعد ذلك لزيارة الجمعية والمسجد لترى الانشاءات الجديدة.. وعندما حضرت اعطيتها مجموعة كتب وكتبت لها إهدائى عليها وكانت هى فى ذلك الوقت تعمل مأمورة ضرائب ولكنها كانت مثقفة دينيا وكانت محجبة.. ولديها موهبة الخطابة.. وحساسة وجلست كثيرا أفكر بالارتباط بها وكانت تحادثنى نفسى أحيانا: هل تريد تكرار المأساة فهذه هى المرأة التى أخرجت آدم من الجنة؟

ولكن إعجابى بها كان اعجابا أكثر من إعجابى بأنثى فهو إعجاب بأنثى وفكرة.. واستطاعت هى أن تبعد عنى عقدى تجاه النساء وعلى الفور صارحتها بما يحوى قلبى من مشاعر حب تجاهها ولكنى لم أبلغها بأنى أعد لها مفاجأة وهى أننى قررت التقدم لطلب يديها من أسرتها.. دعوت نفسى على العشاء فى بيتها فى ليلة ما..

وللمصادفة كان اليوم الموافق يوم المولد النبوى وبعد العشاء وبينما أحتسى الشاى مع أخيها أحمد ووالدتها طلبت يدها بمنتهى الرقى والبساطة والهدوء وكانت مفاجأة بالنسبة لها فلم أخبرها كما ذكرت ولكنها قبلت على الفور وكانت سعيدة جدا ورحبت أسرتها بطلبى وكان وقتها فارق السن بيننا كبيرا فقد كانت هى فى الخامسة والثلاثين من عمرها بينما أنا فى الستين من عمرى، ولكنى لم أكن خاضعا للشيخوخة التى تهاجم من هم فى مثل عمرى ولم تكن هذ ه السن حاجزا بيننا..

ومن هنا أيقنت أنها تريد تحقيق الهدف الذى اجتمعنا عليه وهو العطاء بلا حدود وبلا انتظار مقابل، وكان يتمثل هذا الهدف فى «جمعية محمود الخيرية الإسلامية» التى كنت اتخذت قرار انشائها منذ زمن بعيد ولكنه لم يترجم بشكل صحيح إلا حينما ارتبطنا سويا فأصبح هناك اتحاد بيننا، وبالفعل ورغم كل الصعاب الأمنية التى واجهتها من تجسس على التليفونات من الأجهزة الأمنية ومراقبة بشكل دائم إلا أننا انتصرنا على كل هذه الصعاب وقمنا بافتتاح الجمعية فى عام ١٩٨٢.

وكان لشقيقى مختار الذى تولى منصب محافظ الدقهلية دور كبير فى تأسيس الجمعية فى بدايتها.. ومثلما تقدمت إليها يوم المولد النبوى كنت أريد أن أتزوجها فى أقدس بقاع الأرض.. وتحققت رغبتى فتزوجتها فى المدينة داخل المسجد النبوى رغم أننى كنت أريد زواجها فى مكة داخل الكعبة إلا أن هذا كان القدر وقد احتوى نص وثيقة الزواج على الآتى:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. المملكة العربية السعودية وزارة العدل.. الصكوك الصادرة من المحاكم الشرعية.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين وبعد، فبالجلسة الشرعية التى عقدت لدى أنا عبدالله محمد إبراهيم الرئيس المساعد لمحاكم منطقة المدينة المنورة والتحية لرئيسها فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن آل صباع بناء على الطلب المقدم من زينب بنت حسين حمدى المصرية الجنسية بجواز رقم (١٧٤٦ فى ٢٦/٤/١٩٧٧م والمصرح لها بالإقامة برقم ١٠٤٣/٣ فى ١٨/١/١٤٠٢هـ) وبناء على إقرار الدكتور مصطفى كمال محمود حسين المصرى الجنسية بالجواز رقم (٢٢٣٠١ فى ٩/٧/١٩٨١م والمصرح له بالإقامة برقم ١٠٤١/٣ فى ١٨/١/١٤٠٢هـ) وعلى صك الطلاق الصادر من محكمة الزيتون فى بركة المسبح القاهرة برقم ٤٧٥ فى ٧/٤/١٩٧٩م وعلى شهادة كل من مروان عمر قصاص ومحمد هاشم رشيد المعدلين وفى الأصول الشرعية ثبت لديه أن زينب بنت حسين حمدى لم تتزوج بعد أن طلقها زوجها فتحى حسين حسن...

وأن الخاطب الدكتور مصطفى المذكور كفء لها وأن الصداق مبلغ أربعة آلاف ريال سعودى هى صداق مثلها وأنه لا ولىّ لها بالمملكة العربية السعودية وبناء على طلبها تم إجراء عقد زواجها من الخاطب الدكتور مصطفى كمال وصداقه الراتب المذكور وبناء على توفر الشروط وانتفاء الموانع فقد جرى عقد نكاح الدكتور مصطفى كمال محمود المذكور على زينب بنت حسين حمدى على الصداق المذكور بواسطة المأذون الشرعى أمين مرشد بتاريخ ٤/٢/١٤٠٢هـ بشهادة كل من السيد محمد هاشم رشيد وجمال محمد هاشم رشيد وما هو الواقع حرر من الضبط السادس لسنة ١٤٠١هـ وصحيفة رقم ٩٨ فى اليوم الخامس من شهر صفر الأخير من أيام ألف وأربعمائة واثنين من هجرة من له كمال العز ونهاية الشرف سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم».

ثم واصل الحديث قائلا: كنت أنا ثالث زوج لها وكانت هى ثانى زوجة لى وتذكرت فى هذه اللحظة أن والدى أيضا كان ثالث زوج لأمى وعاش معها فى حياة مستقرة وجميلة، وحدثت نفسى بأنى سأنعم بنفس ما وصل إليه أبى رحمه الله من استقرار أسرى، فقد كنت أعتقد أنى شديد الشبه له فى ملامحى الشكلية وفى حظى، وما شجعنى للارتباط بها سريعا مسألة الدين ورغبتها فى أن تفكر فى نفس الهدف وتريد أن تكون معى شريكة هدف نصل إليه معا فقد كنت فى أشد الاحتياج لمن يقف بجانبى ويشجعنى على ما أقوم به فى وقت كان ينتقدنى الجميع فى تصرفاتى، معتقدين أننى عندما أهب حياتى وأنفق أموالى فى سبيل الله فإننى قد أصبت باضطراب عقلى.

ووجدت أن هذه الإنسانة ستقف بجانبى وعرفت أنه لابد من إنسانة تشاركنى فى رحلة الحياة التى ستكون جافة دون امرأة وهذا الزواج استمر أربع سنوات فقط وكان الطلاق لأنها لم تستطع أن تثبت ما قالته واتفقنا عليه بأن نهب حياتنا لله، واكتشفت أنها إنسانة مثلها مثل باقى بنات حواء، كانت امرأة تريد أن تخرجنى من الجنة.. تريد أن تعيش الحياة بما تحويه من نعم وفسح ورحلات للخارج قد اتفقنا أنها من المحذوفات من قاموسنا، وكانت حياتى قاسية جدا عليها فكيف تعيش معى فى حجرة فوق سطح جامع.

وهنا غرق مصطفى محمود فى موجة من الضحك وهو يقول: لقد كنت أعلق على باب هذه الحجرة لافتة مكتوبا عليها «التابوت» يعنى نعيش فى مقبرة ولهذا لم تتحمل حياتى الميتة.. فالحياة أصبح لا معنى لها فى نظرها، مع أنها كانت تعلم ذلك من الأول بل بالعكس قالت إنها تحب بشدة هذه الحياة الدينية وحياة الزهد ولكنها فى النهاية امرأة عادية تريد أن تعيش زوجة لكاتب كبير.

كانت تعتقد أنها متزوجة من أحد الكتاب المعروفين وتحلم بأن تقضى رحلاتها فى باريس ولندن وأوروبا وتعيش حياة مرفهة وليس فى حجرة على سطح جامع مكتوب عليها «التابوت»، وطبعا كان لها أولادها من زوجيها السابقين ثلاثة أولاد كنت أعاملهم مثل أبنائى تماما وأحسست بعد مرور عام على زواجنا أن كلا منا يدور فى فلك مختلف تماما عن الآخر وأيقنت أن «زينب» نسيت الهدف الذى جمعنا سويا ولم تعد تفكر فيه وتم الانفصال فى عام ١٩٨٤ وجاء قرار انفصالنا بعد فترة من التفكير من الطرفين وعن اتفاق، فقد كان انفصالنا مهذبا ومحترما كما كان زواجنا، وقد حدث الانفصال بعد رحلة استجمام فى سانت كاترين... وقد حملت وثيقة الطلاق النص التالى:

«إشهار طلاق صدر عن يد المأذون... رقم الدفتر ٢٣٥٨٦٨ صفحة ٩... أنه فى يوم السبت الموافق ٦ من محرم سنة ١٤٠٦هـ الموافق ٢١ من سبتمبر ١٩٨٥م الساعة الثامنة مساء بحضورى وعن يدى أنا أحمد أمين السيد خليل مأذون الزمالك التابع لمحكمة عابدين للأحوال الشخصية وبمكتبى ٣٥ ش نوبار بعابدين حضر الرجل الرشيد مصطفى كمال محمود حسين ابن السيدة زينب حسن الحكيم ومهنته صحفى بروزاليوسف مصرى مولود ٢٥/١٢/١٩٢١ شبين الكوم ومقيم ٣ مسجد محمود ميدان جامعة الدول العربية ويحمل بطاقة ١٣٦٦٠ فى ١/٥/١٩٦٣ قسم الدقى ومعه وثيقة زواجه بزوجته مدخولتى السيدة/ زينب حسين حمدى بنت السيدة/ نفيسة محمد سيد أحمد مأمورة ضرائب مصرية مولودة ١٧/١٠/١٩٤٦ القاهرة ومقيمة ٨ شارع النويرى مربع ١٠٥٠/٤ بمصر الجديدة وتحمل بطاقة ٤١١٦٠ فى ١٥/١٠/١٩٧٢ النزهة،

ومحل قيد أسرة الزوج شبين الكوم شياخة الدقى رقم ١٠٢١٩ قسم الدقى والثابت زواجهما بتاريخ ٤/٢/١٤٠٢هـ صفحة ٩٨ عملية الشيخ أمين مرشد التابع لمحكمة المدينة المنورة، وبعد تعريفة المعرفة الشرعية وبشهادة كل من حسن عبد الله مرسى موظف مصرى مولود ١/٥/١٩٣٨ المنيا ومقيم ٣٧ شارع نوبار بعابدين بطاقة ٣٢٩٣٤ فى ١/١٠/١٩٧٤ عابدين ، أيمن أحمد خليل طالب مصرى مولود ٣١/١٢/١٩٥٩ لبيشة ومقيم لبيشة مركز أشمون منوفية بطاقة ٥٤٣٦٨ فى ٤/٢/٧٧ أشمون...

وأمامهما أنشأ الزوج المذكور طلاق زوجته المذكورة بقولة زوجتى مدخولتى السيدة/ زينب حسين حمدى الغائبة عن هذا المجلس طالق منى وعرف أن هذا هو الطلاق الأول بعد الدخول بها فطلقت منه أولى رجعية، له مراجعتها ما دامت فى العدة دون إذنها أو رضاها، وقد تعهد بإخطارها بهذا الطلاق الرجعى الأول للحضور لمكتبنا لاستلام شهادة طلاقها، وقد حررت هذه الشهادة من أصل وثلاث صور سلمت إحداها للمطلق والثانية إلى المطلقة والثالثة إلى السجل المدنى».

ولتأثرى الأشد قسوة بفشل علاقتى الزوجية الثانية والتى انتهت دون إنجاب أطفال قمت بعدها بكتابة‏‏ مقال قلت فيه: «لقد قررت‏ ‏بعد‏ ‏الفشل‏ ‏الثانى‏ ‏أن‏ ‏أعطى‏ ‏نفسى لرسالتى وهدفى كداعية‏ ‏إسلامى ومؤلف‏ ‏وكاتب‏ ‏وأديب‏ ‏ومفكر‏ ‏وقد‏ ‏اقتنعت‏ ‏تماما‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏قدرى ‏ورضيت‏ ‏به‏». ‏ومنذ‏ ‏هذا‏ ‏الحين‏ ‏وأنا‏ ‏أعيش ‏فى جناح‏ ‏صغير‏ ‏بمسجدى بالمركز‏ ‏الإسلامى، ثم انتقلت إلى شقتى بعد ذلك عندما اشتد المرض وكنت دائما أغرق‏ ‏وحدتى فى العمل.

‏وتعودت‏ ‏أن‏ ‏أعطى ظهرى لكل‏ ‏حقد‏ ‏أو حسد‏ ‏ولا‏ ‏أضيع‏ ‏وقتى فى الاشتباك‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏وأفضل‏ ‏أن‏ ‏أتجنبها‏ ‏وأتجنب‏ ‏أصحابها‏ ‏حتى‏ ‏لا‏ ‏أبدد‏ ‏طاقتى فى ما‏ ‏لا‏ ‏جدوى‏ ‏وراءه‏ .. وكانت انتصاراتى على‏ ‏نفسى هى أهم‏ ‏انتصارات‏ ‏فى حياتى وكانت‏ ‏دائما‏ ‏بفضل‏ ‏الله‏ ‏وبالقوة‏ ‏التى أمدنى بها‏ ‏وبالبصيرة‏ ‏والنور‏ ‏الذى نور‏ ‏به‏ ‏طريقى.

ولذلك كان الحب معرضا فى كل مرة للقتل لأن النساء تصورن أن القرب منى نعيم الدنيا ولم يفكرن بأن غايتى هى نعيم الآخرة، وأيقنت بأن الحب فى طبيعته قصير العمر، فإن لم ينته بيدك أو بيد محبوبك فهو ينتهى بالطعن فى السن والزهد فى الشهوات، واكتشفت أيضاً أن الحب الوحيد الباقى طويل العمر هو علاقتى بالله سبحانه وتعالى خاصة إذا ما ترجمت هذه العلاقة فى أفعال تحس، ولذلك فإن حبى للناس يمكن أن يكون فى الله أيضاً.

وعرفت أنه من الصعب الآن أن أجد الحب النادر مثل الذى كان بين النبى صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة رضى الله عنها التى أعطته نفسها ومالها وصحتها وعمرها بكل سعادة، وهذه نماذج نادرة بل نادرا ما يجد الإنسان شخصا يفنى معه فى الهدف، أيا كان فقد تلقيت دروسا طويلة وعميقة وعرفت حدود هذا الحب. ثم إن مشكلة المرأة أنها تستنزف منك شيئا غاليا جدا هذا الشىء اسمه الاهتمام وهذا أغلى ما يملك الإنسان، لأنه الطاقة النفسية البحتة، وحين تحب وتنشغل وتسهر فإن هذا الانشغال هو ضياع الهمة لأن همتك تصبح حينئذ فى المحبوب ويضيع منا أغلى ما نملك..

وظل مذهبى منذ تلك اللحظة فى الحياة هو أن أقاوم ما أحب وأتحمل ما أكره باعتبار أن الحب الحقيقى الباقى هو حب الله سبحانه وتعالى أما الحب والهوى فهو خداع والذى جرب يعرف ذلك جيدا.. يسهر وينشغل. ولكن الآن طغت المادية بشكل كبير على العالم فعلى الرغم من أن باريس ولندن ونيويورك عواصم النور والحضارة إلا أنها تحولت إلى بلاد العلاقات الجنسية المنحلة والشذوذ والمخدرات والهيروين، فالرجل متزوج وله أكثر من عشيقة وزوجته لها أكثر من عشيق، فقد سيطر الإحساس باللذة والمتعة على حياة الناس وأصبحت حياتهم نوعا من الأخلاق القرودى وتحولت حياتهم من الرقى والسمو إلى الانحلال والفجور.

وأخيرا كنت أنظر إلى نفسى فى المرآة وأدقق فى النظر إلى ملامحى وبنيانى وأقول: لماذا دائما تفشل علاقات الحب والزواج الموجودة فى حياتى؟ لقد فشل الحب الأول «عديلة» فى مهده وأنا صغير بسبب ضعفى أمام مجموعة من الصبية، وهنا أتساءل هل لأنى كنت دائما أفضل الفكر والعلم والدين على الحب، واجد الإجابة.. نعم كنت أفضل العلم والدين حتى على راحتى ونفسى فهذا هو الباقى وهذا هو الهدف الذى كنت دائما أسعى إليه مهما كانت العواقب والتضحيات التى تبذل فى سبيل ذلك الهدف السامى والنبيل.

.. ولقد تزوجت مرتين وفشلت فى الزيجتين وربما هما معذوراتان لأن لدى مشكلتين فبجانب مسألة الطبيب والكاتب والفيلسوف والإعلامى والمفكر والمؤلف هناك أيضا أمر أصبح مشكلة فى تلك الفترة وهو أننى الذى أخطط لكل شىء فى حياتى، لم أخطط أننى سأصبح فى يوم من الأيام صاحب رسالة.. بالفعل أصبحت أحمل رسالة للجميع.

مذكرات د : مصطفى محمود " زواجى من ملكة جمال مصر " ( الحلقة التاسعة )



■ أريد لحظة انفعال، لحظة حب، لحظة دهشة، لحظة اكتشاف، لحظة معرفة.

■ أريد لحظة تجعل لحياتى معنى ، فحياتى من أجل أكل العيش لا معنى لها، لأنها مجرد استمرار للبقاء، علامات الحب وشواهده أشبه بالجلوس فى التكييف فى يوم شديد الحرارة، أشبه باستشعار الدفء فى يوم بارد.

■ الحب هو الألفة ورفع الكلفة، الحب هو أن تجد نفسك فى غير حاجة للكذب، أن تصمتا أنتما الاثنان فيحلو الصمت ويتكلم أحدكما فيحلو الإصغاء.

■ بمنتهى البساطة هذا هو الحب الذى أتمناه.

مصطفى محمود

هل أخبرتكم أن أقوى وأعظم حب فى حياتى كان لملكة جمال مصر؟ وهل أخبرتكم أننى عندما وقعت فى حبها، لم أكن أعرف أنها جميلة بالمرة، نعم، فأنا عرفت الحب، سمعت صوتها وأحببتها أول ما أحببتها عندما كنت أسمع صوتها فى التليفون، كان صوتها دليلى إلى قلبها، فأنتم تلاحظون أن الحيرة هى أكبر وصف ممكن أن يطلق على، دائما أحتار فى البحث عن شىء، عمرى كله كنت أبحث عن نفسى وفى أحيان كثيرة، وبعد كل مرحلة من حياتى أسأل نفسى: هل وجدت ما أبحث عنه؟

هكذا كان الحب ومرحلته.. الزوجة بالنسبة لى لم تكن فقط أم الأولاد، كنت أريد نصفى الآخر الذى ينقصنى، كنت أرغب فى الاستقرار النفسى، قبل الجسدى، وأريده على مقاسى بالضبط، أنا أول من أطلق أبواب الفضفضة فى الصحف والمجلات، باب اعترافات عشاق، والبسطجى فى «روزاليوسف»، وباب اعترفوا لى فى مجلة «صباح الخير»،

ولا أنكر أن الكم الهائل من الاعترافات التى فرغتها المراهقات أمامى، كان بمثابة نقطة تحول فى فكرى وإلمامى بالمرأة، لا أنكر أنه فى أحد الأيام، شدنى صوت إحدى الفتيات، «تلفنت» إلىَّ وأنا فى المجلة، تكلمنا عدة مرات، فى كل مرة تقول لى بعض الجوانب عن مشكلتها، لكنها لا تكملها قط، تتركنى وتنهى المكالمة قبل أن أفهم مشكلتها، كان من الممكن ألا أعيرها اهتمامى، ولكن نداء داخلياً دفعنى لمواصلة الرد عليها بل الاستمتاع بمكالمتها، وجاء اليوم الذى طلبت فيه مقابلتى لتعرض مشكلتها وجها لوجه، ولاقى طلبها عندى راحة والتقينا، أول ما قابلتنى صافحتنى وأخذت يدها بين يدى، ولم أتركها أبداً حتى اليوم.

«سامية» زوجتى الأولى وأم أولادى ونصفى الثانى، الذى لازمنى الجزء الأكبر من عمرى، معها بدأت علاقة الارتباط الحقيقية الأولى فى حياتى، وتكونت على أثرها الأسرة التى خططت لها منذ زمن، واعترفت لى بأنها تحبنى منذ أعوام طويلة، كانت مبهورة بكل عالم يظهر اسمه على الساحة.. فقد كانت متأثرة بصديقة طفولتها سامية مصطفى مشرفة ابنة العالم الكبير الراحل مصطفى مشرفة.. لا أنسى هذه الأيام قط ما حييت..

فبعد أن قابلتها فى المجلة لمساعدتها فى حل مشكلتها عرفت أن مشكلتها العاطفية كانت أنا، ولم أشعر إلا بعد أن انتقلت لى عدوى الحب بسرعة رهيبة، وأحببتها، فكانت جميلة جدا، وذلك رشحها، فى ذلك التوقيت، للحصول على لقب ملكة جمال مصر، بل لقد حصلت حينها على ملكة جمال قلبى، تزوجتها بعد رحلة طويلة من الحياة غير المستقرة، والغريب أنه أثناء فترة الخطوبة حدث الشىء غير المتوقع، وغير المستقر أيضا، فوجئت بأعراض مرض لعين تطاردنى، وعلمت أنى مصاب بمرض غريب لم يعرف له تشخيص وهو نوع من الإسهال غير المعروفة أسبابه، احتار الأطباء فيه، ولم يستطيعوا تحديد نوعه، وتسبب ذلك المرض اللعين فى نقصان وزنى أكثر من خمسة عشر كيلو جراما، وأصبحت مثل الهيكل العظمى.

وغرق فى موجة من الضحك وهو يقول «يعنى جلد على عضم» وكان هذا يعد شيئاً سخيفاً، فأنا مازلت فى فترة الخطوبة، وكان لابد أن تشاهدنى خطيبتى فى منظر لائق جسمانياً وصحياً، ولكن ما حدث لى كان يدعو أى إنسانة أنوى الارتباط بها لأن ترفض، قائلة «لن أتزوج لكى أمارس عمل التمريض»،

وهذا لأن كل طبيب كنت أذهب إليه كان له تشخيص مغاير ومخالف للآخر تماما، فذلك يقول إنها «بلهارسيا قديمة» وآخر يشير إلى أنها مصران غليظ، وثالث يؤكد بعد حيرة وتفكير أنه مرض نادر لم يتعرف عليه إلى الآن، وعشت مرحلة من الإحساس بالخوف والرعب لأن تشخيص معظم الأطباء كان يدور حول مرض غريب، معناه أننى لن أعيش أكثر من شهور معدودة،

وهذا ما كان يؤكده هؤلاء الأطباء، وكان لابد من أن أجنب سامية مثل هذه النتيجة، وهى أن تصبح أرملة وهى فى عنفوان شبابها بعد أيام من الزواج، فقمت فى واحدة من خروجاتنا بإخبارها بالحقيقة وقلت لها إننى أعفيها من أى ارتباط، وسقطت بين ذراعى، وتحملت النتيجة الحتمية، أن أحملها حتى المنزل وظللت بجانبها.

وقهقه الدكتور مصطفى محمود مرة أخرى وهو يتذكر، وقال: «كانت أيام»، ولكن هذه الفترة من العمر بالتحديد كشفت لى عن معدن سامية الأصيل لأنها أصرت على أن يتم الزواج، رغم أننى مهدد بالموت، ورغم إصرارها صممت أنا على الانفصال وفسخ الخطوبة، فلا أستطيع أن أظلمها معى قبل أن أجد حلاً لمرضى، ولكنها إصرت على الوقوف بجانبى، ولم تتركنى، وذهبت إلى الطبيب الكبير، حين ذاك، الدكتور أنور المفتى (أستاذى أيام الجامعة، وطبيب عبدالناصر الخاص، والذى أصبح فيما بعد صديقى، وواحداً من المتابعين لكتاباتى ومن المعجبين بأسلوبى،

ودائما ما كان يناقشنى فيما أتناوله من القضايا والموضوعات المختلفة)، فقال لابد من الكشف عليك، وبعدها قال لى سنجرى لك بعض التحليلات المختلفة للوقوف على نوعية المرض بالتحديد، وبعد خروج نتيجة التحاليل تنفست الصعداء وسجدت شكرا لله، حين عرفت أننى غير مصاب بأى مرض خطير أو غريب، ووجدت أن المرض اللعين رحل «بعد أن ترك لى بعض أحماله، وهى عادة الإسهال، التى لم تتركنى حتى الآن» والذى توقعت أن يتسبب فى موتى،

ولكن، لكى أزداد اطمئناناً وأشفى تماما، طلبت منه ما أثار حفيظته وما جعله ينظر لى باستغراب وتعجب، حين طلبت منه أن يدخلنى جناح العمليات ويشق بطنى ويعرف بالضبط تفاصيل ما بداخلى من آلام وتقلصات أشعر بها فى أحيان كثيرة، ويرى بعينيه المجردة ماذا بها «فلم تكن المناظير ظهرت حتى ذلك الوقت»، واعتبر كلامى مزحة، لكن أمام إصرارى اضطر إلى الاستماع إلى مطلبى وفعلها، والحمد لله تأكدت من عدم إصابتى بأى داء، وأن التقلصات نتيجة أن معدتى حساسة ولا تتحمل نسمة الهواء،

وكان أفضل ما قاله الدكتور المفتى لى عندما ابتسم وهو يقول تأكل كل الممنوعات التى قال لك عنها الأطباء من قبل، وكنت ممنوعاً بأمر الأطباء من أكل كل شىء إلا السمك والموز، وكنت لا أتناول يوميا إلا قطعة من السمك وموزة واحدة، وظللت على ذلك عامين كاملين، والنصيحة الثانية التى أسداها إلى وأسعدتنى عندما قال: لابد أن تغير نظام حياتك فإذا كنت «عازب» تزوج،

والحقيقة أننى اقتنعت بوجهة نظره، فما دام كل شيء فىَّ سليماً، فما هى أسباب هذه الأمراض التى تنتابنى فلابد أن هناك خطأ ما فى حياتى، وأن نفسيتى بها شىء ما خطأ لابد من تغييره، وعلى الفور اتصلت بـ«سامية» لأخبرها بأنه فى أقرب وقت يجب أن نحدد ميعاد الزواج، وتحقق ما طلبت وسط أسرتها وإخوتى، وتزوجتها فى ١٩٦١، وعشت فى السنوات الأولى أسعد أيام حياتى، وكانت هذه الفترة اليسارية، وما صاحبها من حفلات، كانوا ينظمونها داخل السفارات وغيرها، وكانوا يشربون الويسكى والشمبانيا، وفى هذه النقطة أحب أن أرد على سؤال لكم عن الخمر والمحرمات فى حياتى..

فى هذا الموضوع سأرد برد واحد (جربت ولكن لم أستفد منها، فشربت معهم على سبيل التجربة، لأننى فى ذلك الوقت كنت فى مرحلة الشك، وتجربة كل الأشياء، ولكنى أحسست أنها ليس لها طعم بالمرة، وكانت تجعل جسمى ثقيلا جداً، وكانت سامية تنهانى، وتؤكد لى أنها غير مفيدة وتفسد علاقات الناس بالآخرين،

ولهذا فلم أحب الخمور، ولم أعرف لها طعما بعد ذلك)، نعم كنت سأمتنع عنها ولأن بجوارى زوجة حنون كانت مصممة على الحفاظ علىَّ وعلى صحتى فقد انتهت هذه الفترة قبل أن تبدأ واستمر زواجى بـ«سامية» ما يقرب من عشر سنوات، وكان أكثر ما يؤرق حياتنا الزوجية طوال هذه السنوات أنها كانت غيورة جداً رغم أنها كانت تصغرنى بـ ١٥ عاما.. وقد تزايدت غيرتها تدريجيا ووصلت إلى مراحل صعبة جداً، كانت فى البداية تسألنى بعض الأسئلة وتعرف منى كل التفاصيل التى ترضيها..

وبعد مضى الوقت بدأت إجاباتى لا تشبع فضولها بالكامل فبدأت مراحل المراقبة والتليفونات، والبحث داخل الملابس عما لا يرضيها، وعلى فكرة، كل هذه التفاصيل عادية، ولكن غير العادى هو أن يصاحبها ظروف مثل التى ستقرؤها من تسجيل أخى الراحل (عبدالوهاب)، عندما كانت الفتيات تفتح باب السيارة فى إشارات المرور وترتمين علينا، أنت ككاتب وأديب ولك أفكارك التى يتابعها البعض ويتبعها البعض، من المؤكد أنك صعب أن تضرب كل من تقترب منك..

فكانت تحدث مشكلة كبيرة مع كل رقم جديد أضيفه إلى أجندة تليفوناتى، أو أى صورة فى مجلة تظهر فيها سيدة ما بجوارى، فهى معجبة، مجرد معجبة ليس إلا، ولكن طبعا بعد خناقات وبهدلة ومراقبات، تبدأ برقابة على التليفونات، وتفتح خطاباتى وتحولت حياتى إلى جحيم لا يطاق، فأنا كنت متهماً دائماً بأشياء لا أفعلها، وترتب على ذلك حكايات كبيرة ومشاكل أكبر، وكل هذا خلق جواً لا يساعد على الكتابة والإبداع، فكنت لكى أكتب لابد أن أسافر إلى أى مكان،

وأتذكر أن كل كتبى فى هذه الفترة كتبتها فى الفنادق والبلاد التى سافرت إليها، فقد سافرت أيامها إلى السودان واستغرقت فى رحلاتى إلى الصحراء الكبرى والغابات الاستوائية، وأتذكر أننى خلال رحلة إلى المغرب قرأ لى الكف عراف مغربى، وقال لى إنك متزوج من امرأة جميلة، ولكنها عصبية «عصبية حبتين»، فلم أكن أكتب فى مصر أو بالتحديد فى شقتنا فى الدقى، مطلقا، لأن حياتى تحولت إلى مشاكل لا تنتهى لأنها كانت توقظنى فى منتصف الليل، ويحدث بيننا شجار بلا أى سبب أو سابق إنذار، فأقول لها فيه إيه يا سامية،

ولماذا كل هذا الشجار اليومى، ويظهر أن كلام العراف المغربى صحيح، وأقص عليها ما قاله فتزداد ثورة، وتقول لى لقد شاهدت فى الحلم أنك كنت مع واحدة ست، فأقول لها «ما تحلمى ومن حق كل إنسان يحلم، هو لازم حلمك يبقى صحيح هو إنتى السيدة زينب ولا السيدة نفيسة»، ثم ننهمر فى الضحك، وبخفة دم تهدأ الأمور، ولكنى وجدت أننى لا أستطيع أن أعيش باقى العمر بهذه الطريقة، وخلال هذه الفترة كانت الغيرة الزوجية على أشدها، ولكن ما عدا ذلك فهى إنسانة طيبة وست بيت، وهى أم الأولاد (أمل وأدهم) والذى كان ميلادهما فرحة غير عادية بالنسبة لى،

فأتذكر أيام عودة أمل من المدرسة فى سنواتها الأولى، وهى تقول لى هناك الكثير من أصدقائى البنات معجبون بك يا بابا، ويريدون الحضور معى لرؤيتك، وكذلك المدرسون والمدرسات، وكيف أصبحت بعد ذلك عروسة ناضجة تناقشنى فى أفكارى وتقرأ كتبى، وتمدحنى أحيانا وتنقدنى فى أحيان أخرى، وأدهم ابنى الوحيد كان دائما بجوارى، وكنت أصطحبه فى بعض رحلاتى إلى الخارج، أيام إعدادى لبرنامج العلم والإيمان، وكانت أسعد أيام حياتى حين تزوجا وأنجبا لى أحفادى «محمود وأحمد ومصطفى وممدوح»، والأخير كنت أداعبه وأطلق عليه «كلبوشى» وأصبحوا أغلى الأحباب إلى قلبى، ولكن للأسف تحولت حياتنا إلى جحيم فلم أستطع أن أعيش حياتى معها، أكثر من هذا، خاصة وأنا أحتاج وبشكل دائم إلى الهدوء والاستقرار، لكى أنجز كتاباتى وأعمالى فطلقتها ١٩٧٣،

وتركت لها كل شىء وأتذكر أننى فى آخر يوم خرجت بـ«بجامتى» فقط، بعد خناقة كبيرة ولم أعد إلى شقتنا حتى الآن، وبعد ذلك كانت مرحلة صيام عن المرأة، ولكنى لا أنكر أننى كنت أحب أم الأولاد بجنون، وأحبتنى بجنون، ولكن جنون الحب كان السبب الرئيسى والأساسى فى إخفاقه، والقضاء عليه، فقد كنا صغيرين والشباب فى بواكيره، ومن الطبيعى أن تكون العواطف فى هذة الفترة غير مستقرة وحدثت الغيرة وهى أولى مراحل الانهيار الأسرى، فكانت الغيرة القاتلة لهذا الحب الجنونى، والتى كانت دائما تجرنا إلى الخلاف والخناق كل مرة،

ورغم كل هذا لا أنكر أننا قضينا مع بعض سنوات لا تنسى، وهى من أجمل سنوات العمر، كنا نذهب فيها دائمًا، أثناء حصولى على إجازة من العمل، إلى المصايف وإلى الأقصر وأسوان، ولكن كانت النهاية المتوقعة لهذه الغيرة العمياء أن يذهب كل واحد منا فى طريق، رغم أننى كنت أحبها بجنون، ولأنه انقطع فجأة بثورة عنيفة جداً، قبل أن يكتمل، ومازالت لها معزة خاصة فى نفسى وقلبى حتى الآن، فقد عاش هذا الحب فى قلبى فترة طويلة جدا،

وذلك لأن العلاقة التى تربطنى بالمرأة ليست هى الشهوة، فالشهوة وحدها لا تكفى فى نظرى، ولم تكن الشهوة هى الرباط بينى وبين سامية، أو أى إنسانة عرفتها فى حياتى، فالحب شىء أساسى وضرورى، ولذلك كانت علاقاتى العاطفية قليلة، ولذلك أيضا كنت أقول لـ(نزار قبانى شاعر الحب والنساء)، كلما تقابلنا فى حفلة من الحفلات، سواء كانت فى بيت عبدالوهاب أو غيره من أصدقائنا «إنت الوحيد اللى عرفت الستات يا نمس».

وقضيت بعد انفصالنا مدة طويلة، زاهداً فيها الحياة بعدها، ثم تزوجت الثانية وهى الزيجة التى استمرت ٤ سنوات، وانفصلت عنها هى الأخرى، لأعتزل النساء جميعا. الجميل أنه بعد كل هذا تجد سامية وهى تعيش مع ابنتنا أمل، نعيش فى منزل واحد، لكنى أعتزل فى شقتى، هل تعلمون أنى بعد نوبات الغيبوبة التى تنتابنى من عام إلى آخر، أسقط فى غياهب النسيان، وأستيقظ لأجد سامية تتناوب مع أمل السهر على ومداواتى، حتى إطعامى وإعطائى الدواء، تعلمون، رغم كبر عمرى، أننى لو عاد الزمن مره أخرى، سوف أفعل ما فعلته ثانيا سوف أحبها مرة أخرى، وأتزوجها مره أخرى، وأنجب منها أدهم وأمل مره أخرى.